|
بيروت، صيف 2008
عاجزًا عن نسيانِ طينِهِ
يسقطُ الثلجُ
ما من بدايةٍ بيضاء
ليسَ الأسَى
النافذةُ جُرْحُ جدارٍ
البابُ مرآةٌ مُغْلَقَة
تعلمينَ
في العَثْرَةِ حجرٌ يُرْشِدُنا
على جانبي الأيسر
حافَّةُ السريرِ والعالم
الحائطُ وجهٌ قريبٌ
أقسو كي لا يكسرَني حناني
أيُّهُما القفصُ؟
مَنْ مِنَّا العصفورُ؟
ومِنْ أينَ يأتي العابرونَ لعُقَدِنا
بهذا الكرهِ الراسخِ للأقنعةِ والستائر؟
جماجمُ الأيائلِ
بقرونٍ ناعمةٍ تضيءُ
قمصانٌ داميةٌ
أرواحُنا المُعَلَّقَة
صفحةٌ من كتابٍ بلا كتابة
صرخةُ بئرٍ إزاءَ الصحراء
بغيرِ غيمةٍ واحدةٍ
دونما كوكبٍ على كَتِف
مجرَّدُ سقفٍ
ممحاةُ أفق
مَرَّ اللصوصُ، القَتَلَةُ
أطفالُ الورقِ البَرْدِي من حولي
لو أنَّ أحْبارَهُمْ دَمٌ
لو أنَّ الدُّمَى تنمو قليلاً
أعدُّ في خيالي الخِرافَ ولا أغفو
النومُ استراحةُ الظلِّ
بأغصانٍ غائرةٍ في الغيمِ
بنُسْغٍ غامضٍ عَنِ الرُّسْغَيْنِ يسيلُ
إلى نسيانٍ أتسلَّلُ
السَهْمُ في روحي
لا أثرَ لملاكٍ أو رُماة
السلالمُ خطواتٌ مُقَفَّاةٌ
ثقوبٌ لا تُرَقِّعُها موسيقى
هامدًا يهبطُ الثلجُ
لشجرةٍ في شارعٍ
وجهي وأوراقي
أنهاريَ المهدورةُ لِرَمْلٍ
وحيدةٌ على أقدامِها
المقاعدُ التي خَلَّفَها العازفونَ
وحدَها الفزَّاعاتُ
بظلالِها حَفِظَتِ اللحنَ
واحْتَفَظَتْ بقُبَّعاتِنا القديمة
الإشارةُ
المُعَطَّلَةُ
منذُ
الأزل
الشرطيُّ الأسمرُ القليلُ
جِذْعانِ على رصيفٍ ذائبٍ
جارتُهُ بنايةٌ صفراءُ
بيتٌ
في طابقِها الخامسِ والأخيرِ
لا يُغادرني
كغيمةٍ عالقةٍ بشَعْرِ صفصافةٍ
بجدرانٍ شاحبةٍ
بلا شبابيك
بشرفةٍ رطبةٍ نحوَ ظِلِّي تميلُ
على حبلِ الغسيلِ
شبحُ قميصٍ
ألَوِّحُ
يذكرُ الذراعَ
يذرفُ مِلْقَطًا
كَفِّي أرجوحةُ عصفور
كُلَّما ابتعدتُ
أعادتْني الكوابيسُ
كتبتُها
كما كان الوعدُ
البترُ لا يُجدي
حزنٌ بكثافةِ حاجبيْنِ مَعْقُودَيْنِ
عينانِ مُغْمَضَتانِ على غُصَّةٍ
نصفُ
ابتسامةٍ
طَوْقُ
ذراعٍ
أقواسٌ
بأقطابِها
أقاومُ
جاذبيَّةَ
فوهةٍ
سوداء
انكسرتُ مرَّةً
انكسرتُ مرَّتيْن
كُلُّ موتٍ يتكرَّرُ
كُلُّ الطُرُق تؤدِّي إلى صلاح سالم
القصرُ المائلُ
في زاويةٍ من الزمنِ المائلِ
بسُورِهِ المَسْنُونِ
بسَرْوِهِ الأزرق
بأسرارِ سنواتٍ مَضَتْ
وأماتتْنا في مناماتِها
برموشِ الشمعِ الأسودِ
أشْعِلُ مرآةً
البوَّابةُ القاتمةُ ذاتُها
قضبانُها الكثيفةُ
القُفْلُ اليتيمُ
قسوتُكَ التي لم تَكُنْ يومًا أُمِّي
سقيفةٌ مُمَوَّجَةٌ بأسماءٍ منسيَّةٍ
ممَرَّانِ ضَيِّقانِ كعينيكَ في الضَّحِك
أعشابٌ ضئيلةٌ بينَ الأضلاعِ
حولَ أقدامِ القناديلِ
حفيفٌ جارحٌ لتمثاليْنِ من النحاسِ الأحمر
حارسا أرجوحةٍ بحبلٍ وحيدٍ
لحنٌ من جوفِ الزجاجِ
ينبضُ
يئنُّ
يؤلمُني
ليسَ الظمأ
كانَ عليَّ أن أتخبَّطَ في جدرانٍ عاليةٍ وأوثان
كي أكسرَ ذلكَ القَيْدَ
كانَ على الحصونِ أن تموتَ صغيرةً
في براعمِها
وعلى بيوتِنا والتوابيت
أن تكونَ خفيفةَ الظِلِّ أليفةً
بدفءِ عُلَبِ الكبريتِ
كُنَّا أطفالَها
هذه الحديقةُ الساحرة
أمراءٌ بطاعةِ الخواتمِ
حُرَّاسُ بئرٍ وسكونٍ
أكتافُنا بالكواكبِ تتهدَّلُ
عصافيرُ الصوفِ نياشينُ معاطفِنا
واطئةً تطيرُ الوطاويطُ
بينَ أرجلِنا في الجذورِ
أغْمِضُ لأرى
بأهدابي
أعيدُ حياكةَ الحكاياتِ
رسالةٌ
على
هاتفٍ
قديمٍ
شمسٌ
شائكةٌ
جسرٌ
نفقٌ
نافذة
البابُ
العملاقُ
على
عجلٍ أغلقُهُ
جمجمتي جيتارٌ
لمبةٌ جاحظة
ما يدفعُكَ نحوَ الألم
برفقٍ يدعوني إليهِ
ما الذي بوِسْعي أن أقولَهُ
سوى أنَّ الأعداءَ كانوا أكثرَ عَدْلاً
كمقعديْنِ متعاكسيْنِ في قطارٍ
ظهرُكَ المستقيمُ إلى قَوْسٍ مُقَصَّبٍ بفقراتي
عُمْلَةٌ لا يتواجهُ وجهاها
لأنَّكَ الملكُ
تمحوني الكتابةُ
ميزانٌ مائلٌ تحتَ بُرْجٍ ظالمٍ يجمعُنا
على أطلالِنا يستطيلُ ظِلٌّ
شجرةٌ مجروحةٌ يحنيها الحنانُ
أصابعُ القدميْنِ المُزْرقَّةُ
الخَدَرُ الخافتُ والخوف
كأنَّني كسلي
خطوتي تُفَّاحَةٌ اسْتَرَدَّتْها الأرضُ
كيُتْمٍ في تلويحةِ كفٍّ
كانتِ التيجانُ على حذائي تتناثرُ
ثلجًا ينهالُ بكثافةِ الكُحْلِ
قِطَعَ سماءٍ قاطعةَ طريقٍ
في اتِّجاهيْهِ المجهوليْنِ أركضُ
أركلُ الملائكةَ وكُلَّ ما بيننا
بينَ يديَّ أغصانٌ مقطوعةٌ
تُبْكيني الأشجارُ كُلَّما تذكَّرْتُ
أظفارَ الحديقةِ ظافرةً بظلِّي
معطفًا عالقًا بدبابيسِ دموعِها
ملكةُ ليلٍ تضحكُ في انعكاسِ
قطرةٍ أخيرةٍ من الكأسِ
بينَ نَحْرٍ وصَدْرٍ جَرَتْ دموعي
نهرَني النهرُ لأنَّني بكيتُ
ثُمَّ أسْرَعَ نَحْوَ السورِ يتوسَّلُ
بعددِ الخُطَى كانتِ الأخطاءُ
سامحيني
سبعَ سنواتٍ بينَ ساقٍ وسبيلٍ
أصِلُ الليلَ بالنهارِ ولا أصِلُ
براءتي خاتمٌ في بئرٍ
قدمي في صوتِكَ
السماواتُ تمرُّ
لو كنتُ أعلمُ
إلى أيِّ خرابٍ ستقودُنا الطُّرُقُ
لما قَطَعْتُها
لَقَطَعْتُ قبلَ أعناقِها شراييني
بكِسْرَةِ فَحْمٍ أرسمُهُ
سريريَ العابرَ مثلَ نَوْمِ نهارٍ في مرسمِك
لمَّا دثَّرْتَني بظلٍّ
فغفوتُ كذبيحةٍ عندَ ركبتيكَ
كانتِ الجدرانُ حولَنا من كُتُبٍ
رائحةُ الألوانِ نافذة
أن تبقى أهدابي مَعَ شمسِ الستائرِ مُسْدَلَةً
كانَ الحلمُ
في الحُلُمِ المُحَصَّنِ بألفِ رُمْحٍ
آخذًا ملامحَ حُرَّاسي
سيِّدي ووالدي
اليتيمةُ قبلَ ميلادِها أُمِّي
الحائمونَ حولَ حَدَقَةِ البئرِ بقميصي
أصدقائي الثعالبُ
القُسَاةُ الذينَ بنسيانِهِمْ أتسلَّى
على طَرْفِ جناحِهِ وردةٌ
في قبضتي سكِّين
أقتربُ
أشباحٌ كانت أشيائي
دُمْيَتي المُدَلاَّةُ
الشارعُ المُمْتَدُّ من فيءِ رموشِها إلى شرفتِك
تلكَ الدموعُ المُتلألئةُُ مثلَ ماساتٍ سوداء على أسفلتٍ شائبٍ
الذي
كنصلٍ بينَ غيمةٍ وغروبٍ
مثلُ فاصلةٍ فِصامُها تفريقُ رصاصتيْنِ
يستحيلُ إنسانًا كانَ حبيبي
قُرْبَ أمكنةٍ نَأَتْ بناياتُها
تفاصيلَ امَّحَتْ
ويُصِرُّ على ألوانِها الثلجُ
من يدي الناعسةِ
من تعاستي الساهمةِ في سقفٍ
من شِباكِ العناكبِ في كوابيسي
يأخذُني
حنانُكَ
لأجلِكَ الجسرُ والعبورُ
من قالَ إنَّ الظلالَ لا تلتفتُ إلى الوراء؟
مظلَّةٌ مطليَّةٌ بالوَهَنْ
طَعْمُ غيمٍ
كنَّاسٌ مكسورٌ
بأوراقِها تتساقطُ الكلماتُ
الشجرةُ ذاتُ الشَّعْرِ الأحمر
الغابةُ التي غافلتْنا وغابَتْ
القصرُ المصلوبُ بينَ رصيفيْنِ كتقاطعٍ
ثُمَّ كغروبٍ مباغتٍ
صرخةُ مالك الحزين
صلاح سالم يُصْغي
نظَّارةٌ سوداء
كتفانِ بنجومٍ كثيرةٍ
في صدأ نياشينِهِ
ما يضيءُ خسائرَنا
ما لم تَقُلْهُ الوردةُ
في وَحْلِها تُدْرِكُهُ الدموعُ
ما حاجةُ السُّحُبِ إلى لمسةٍ من طين؟
ما حيلةُ زهرةٍ قبلَ الأصابعِ تَفْنَى؟
الخواتمُ للعابرينَ
خذ يدي
لأنَّني من دُخانٍ
أُفْلِتُ كُلَّ خيطٍ وأطيرُ
لأنَّكَ في المرآةِ كأسٌ
كُلُّ نسمةٍ سكِّين
السائرونَ إلى نسيانٍ
يضلِّلونَ الضوءَ بظلالِهِمْ
في ظلامِنا راقصةٌ حافيةٌ
خطوتُها خلخالُ دَمٍ
المقابرُ القريبةُ
الجبلُ الواطئٌ كنسرٍ
العُمْرُ الشاردُ في إشارةٍ مَمْحُوَّةٍ
قدمانِ من رماد
محطَّةُ باصاتٍ مهترئةٌ
مصباحٌ لا يصلحُ مشنقةً لحذائي
محبَّتُنا أوْدَعْتُها النهرَ
ضعفي في نقطةٍ
للمَرْسَى أسبابُهُ
النوارسُ للنسيانِ
مراكبُنا من ورقٍ
العالمُ لا يحتملُ دمعةً
يبعثرُني الثلجُ
كُلُّ ذلكَ القُرْب
كُلُّ هذا الألم
أسوارٌ عاريةٌ
أبوابٌ تئنُّ
أخشابُها اشتاقَتْ
أمَّاتُها في الغابةِ
أشجارٌ بأذرعةٍ كثيرةٍ تلوِّحُ
شبحٌ يَلُوحُ ويمَّحي
أعقابُ سجائرِنا علاماتُ سَيْرٍ
صلاح سالم شاعرٌ وحيد
حتَّى الأطفال لا يفعلونَها
كُلُّ ما أملكُ رَهْنُ حِضْنٍ من رمالٍ متحرِّكة
في الوَحْلِ حتَّى الركبتيْنِ
شَعْرِي يتطايرُ ويشيبُ
بينَ التماسيحِ التي تضحكُ
مَعَ التماسيحِ التي تبكي
نرجسةُ انعكاسي جمجمةٌ
يدايَ قطعتانِ مِنَ الورقِ البَرْدِي
في كُلِّ شارعٍ كنتُ نهرًا
كُلُّ نهرٍ ظِلُّ مدينةٍ وسماء
لو أنَّ المرآةَ بيضاءُ الثلجِ
ألامسُ نسمةً
تغادرُني الغربانُ
بلا سقفٍ كانَ الأذَى
والعابثونَ بأعضائي مَعَ الذُّبابِ يتكاثرونَ
جرذانًا تجذبُها رائحةُ الهزائمِ
في رُقْعَةِ قمرٍ عثروا على جثتي
قُرْبَ حُفْرَةٍ حديثةٍ في الجليدِ
بلا بوصلةٍ
دونَما حبالٍ
مومياءٌ مُنَمْنَمَةٌ في شرنقةِ أصابعي
وردةٌ من الدانتيل الأسود
ترقِّعُ ثقبًا في الجانبِ الأيسرِ من صدريَ العاري
أسقطُ
ما من قاعٍ لأرتطمَ
أظفارُهُمْ تسلبُني السماءَ
لو أنَّ للجماجمِ أجفانًا
لا رأفةَ في أرواحِهِمْ
أؤلئكَ الذينَ أوْصَدُوا على صوتيَ الرجاءَ
صفقةُ نَصْلٍ على أصابع
إبرةٌ بلا خيطٍ في البؤبؤِ المفتوحِ
لخناجرِهِمْ أدَرْتُ صرختي خدًّا
بالقوَّةِ تظاهرتُ
للحظاتٍ بالإيمانِ
ثُمَّ انْحَنَيْتُ لأستنجدَ بجذوري
لتفضحَني ورقةٌ
لم تتمالك موتَها
بخنجرٍ أحفرُ
خارطةُ كَفِّي من طينٍ
كثيرةٌ هي الكلماتُ التي أبكتْني وكفكفتُها
الخوفُ
بخطوطِهِ المتداخلةِ
نجمةٌ حولَ نَدْبَةٍ
هلالُ خاتمٍ مخدوعٍ
عُرْوَةُ قاربٍ موثوقٍ
بشجرةٍ تعتمُ الوقتَ
في ثنيةِ حَرْقٍ قديمٍ
ثلجٌ كثيفٌ
عصفورٌ بصورتِهِ مزهوٌّ
في زُرْقَةِ عِرْقٍ نافرٍ
حيثُ يتقاطعُ غريبانِ
الخسرانُ أصابعي الخمس
بحنانِ من حَلُمَ
شرياني نَحْتٌ لشارعٍ
كشكُ السجائرِ في ركنِهِ
متجرُ الألعابِ المُتْرِبُ
مكتبتي،
كهولتي
المبكرة
المقهى المُطِلُّ على ميدانٍ يسيِّجُهُ الأطفالُ
المُجاوِرُ لمدرسةٍ
نسيتُ اسمَها
مع أنَّني كطعنةٍ أذكرُ
طعمَ الصدأ في حروفِ يافطتِها
اليدُ المُنْقِذَةُ
تلكَ الخُرافة
راحتي لوحةٌ لديدانٍ
روحي عَرَبَةُ روبابكيا
واصطفانيَ الصمتُ لأكونَ رهانَهُ الأخير
الحصاةُ للنهرِ
الليلُ للذئبِ
العُشْبُ للحِمْلان
قرطُ الموسيقى
لأذُنٍ مقطوعةٍ
ساعةُ اليدِ القديمةُ
لساعي البريد
الدرَّاجةُ لأنَّ الوقتَ يمرُّ
طواحينُ الهواءِ
لأنَّ الأزهارَ إلى زوال
الحربُ
ليموتَ بعضُنا
نجومُ السماءِ بأسْرِها
لعاشقيْنِ في قاربْ
لِهَوْلِ صرخةٍ على جسرٍ
ينثني تمثالٌ
مَعَ جذعِهِ المُثْقَلِ بفُضُلاتِ عصافير
يَغْمَقُّ الوجهُ الحجريُّ للغروبِ
غرابٌ عن كتفِهِ يسقطُ
غيمةٌ تفقدُ اتِّزانَها
المارَّةُ في معاطفِهِمْ بلا خجلٍ
بخطواتٍ لا يختلفُ لبُرْهَةٍ إيقاعُها العابرُ
لولا أنَّهُمْ أصغرُ من دموعي المنهمرةِ على النهرِ
|