شعرية الحال تتجاوز شعرية الجملة... والرواية متعتي

21/2/1999 "جريدة "الرأي العام

 

الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان أصدرت أخيرًا من القاهرة –التي تقيم فيها- جديدها "شمس مؤقتة" بعد ثلاث مجموعات سابقة "عصفور المقهى، مخبأ الملائكة، لا أشبه أحدًا" لتؤكّد بصمة صوت شعري خاص.

تقول: المفاجأة التي ربما تدهشكم، هي أنني أحرقت دواويني الثلاثة السابقة في لحظة يأس من الكتابة، من كتابتي تحديدًا، لقد نشرت هذه الأعمال في سن مبكرة. سوزان من مواليد 1974 وبالتي حين تجاوزها وعيي أحسست بعدم الرضا عنها فنيًّا رغم اعتزازي بهذه التجارب على المستوى الإنساني، مثلاً ديواني الأول "عصفور المقهى": أعتبره عملاً صادقًا جدًّا، لكنني لا أستطيع أن أنتقي منه الآن سوى خمسة نصوص جيّدة، في رأيي، ينبغي أن يكون المبدع أكثر قسوة على نفسه من النقاد، وأن يسعى ليتجاوز ذاته في الإبداع قبل أن يتجاوز الآخرين. لولا "إحراقي" دواويني الأولى، لما كنت كتبت ديواني الأخير "شمس مؤقتة". "الإحراق" هنا فعل تحدّ للذات ولقدراتها الكامنة.

وتضيف: في "شمس مؤقتة"، تجاوزت شعرية الجملة التي كانت سائدة عندي سابقًا، واتجهت بتركيز إلى شعرية الحالة، وهذا نتيجة لانفتاح الذات أكثر على العالم وانفتاحها على نفسها.

وسوزان التي تنقلت منذ طفولتها بين أماكن كثير: بيروت، اسبانيا، باريس، القاهرة، تقول عن تأثير الغربة في تجربتها: لا شك أن الغربة أثّرت عميقًا في تكويني الإنساني والشعري، فتنقّلي الدائم بين المدن بسبب الحرب في وطني لبنان ترك أثرًا واضحًا في شخصي وفي نصي، تجربة السفر منحتني ثراءً واسعًا على مستوى الذات والكتابة، ما كنت لأمتلكه لولا الغربة، فمن خلالها عرفت العديد من البلدان والبشر والحضارات، لكنني مقابل هذا الوعي وهذه الخبرات دفعت استقراري وإحساسي بالأمان ثمنًا، لقد عرفت الكثير من الغابات، لكنني لم أنعم يومًا بشعور الشجرة ذات الجذور والانتماء.

 

مدينة رائعة

 

وعن القاهرة التي تقيم فيها الآن، قالت: بالنسبة للقاهرة، هذه المدينة الرائعة، فهي فعلاً المدينة التي نضجت فيها كشاعرة، هنا اطّلعت على الثقافة العربية عن قرب من خلال الاصدارات والمبدعين والنشاط الثقافي، هنا أصدرت أعمالي ومن ثم وصلت إلى الناس في هذه المدينة، أصبح لي صوت خاص كشاعرة.

وعن وعيها بالقصيدة الأوروبية حيث تقرأ بأربع لغات "الفرنسية، الانجليزية، الاسبانية، إضافةً إلى العربية"، وهل كان لذلك تأثير على تكوينها الشعري؟ قالت: في طفولتي، وخلال إقامتي في الغرب، عانيت كثيرًا من معادلة الاطلاع على الثقافات الأخرى مع الاحتفاظ بالثقافة الأم كأرضية. كنت أقرأ الشعر الفرنسي والاسباني والإندليزي أكثر من الشعر العربي بسبب عدم توافر الكتب العربية بالكم والتنوّع الذين أحتاجهما، وقد تكوّن وعيي بالقصيدة الأخرى في سن مبكرة جدًّا، إذ قرأت رامبو وبريفير ولوركا وبروست وأنا لا أزال في المرحلتين الاعدادية والثانوية من المدرسة، لكنني لم أفكّر أبدًا في الكتابة سوى بلغتي تمسّكًا بهويّتي العربية. من الأعمال التي أثّرت في تكويني بشكل عميق كتاب "الأمير الصغير" للكاتب أنطوان دو سانت إغروبيري، كما أنني أحببت بريفير وتعمّقت في قراءته منذ الطفولة.

 

كائنات رقيقة

 

وأوضحت سوزان أن المقهى والعصافير مفردتان أو حالتان لهما سطوة في كل دواوينها "فالمقهى كان وطني البديل في الغربة، ولا يزال، ففي المقاهي أشعر بانتكاء للمقعد الذي أجلس عليه، للطاولة، لفنجان القهوة، لمنفضة السجائر، لركني الصغير في العالم. المقهى بالنسبة لي ليس مكانًا فقط، بل هو حالة، حالة انتماء في عالم حُرِمَتْ من الاستقرار فيه جذوري. في باريس، مثلاً، كان هناك مقهى صغير بجوار مدرستي، تحت سقفه وبين جدرانه عشت أصدق لحظاتي وكتبت ديواني الأول "عصفور المقهى". في ديواني الأخير "شمس مؤقتة" استحضرته من الذاكرة، ذلك المكان الجميل. أما العصافير، فأنا أحبها كثيرًا، هذه الكائنات الرقيقة الصغيرة التي تشفّ فتطير، لو أن لأرواحنا البشرية خفّة العصافير لما أصبنا باكتئاب أو يأس."

وقالت سوزان: لديّ هاجس دائم بأن يهجرني الشعر، فأنا لن أقوى أبدًا على هجره رغم ألمه وعذاباته ورغم بعض محاولاتي الفاشلة في إسقاط الشعر من حياتي. يحدث أحيانًا أن ينقطع الفيض الشعري عندي (وذلك لفترة قصيرة)، فأصاب بحالة من الخوف الشديد والقلق، وما أن أعود إلى الكتابة (أو تعود إليّ الكتابة) حتى أستعيد أنفاسي وأحس بأنني في أمان.

واختتمت قائلة: متعتي القرائية الأولى في الرواية، وأعتقد أن الكثير من الروايات يحوز كثيرًا من الشعرية التي ربما لا نجدها في الكثير من القصائد.