|
ديوان الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان "شمس مؤقتة" الذي صدر في سبتمبر الماضي في
القاهرة أسس لها إسمًا خاصًّا في الحركة الشعرية العربية –فهذا الديوان يأتي بعد
ثلاثة دواوين للشاعرة- تخلّصت منها جميعًا بالحرق في لحظة يأس واكتئاب شديدين، وحمل
طرحًا شعريًّا مغايرًا لها ولزميلاتها من الشاعرات.
وهذا الديوان الذي استقبلته مختلف التيارات الشعرية في القاهرة –حيث تعيش الشاعرة-
بشكل جيّد، جعل هناك حوارًا وجدلاً حول شمس سوزان المؤقتة:
"حملْنا الصناديقَ
و
مشينا نحلمُ
بخشبِ التوابيتِ يخضرُّ
يعودُ أشجارًا نتسلَّقُها".
وهذا التطوّر الكبير الذي لحق تجربة سوزان عليوان في ديوانها الأخير يعود لدأبها
وشاعريّتها العالية، وقراءاتها المتواصلة بلغات أربع، واطّلاعها على الجديد
والتراثس في الثقافة والفكر، ومن ثم جاءت كتابتها حارّة وحميمة وشديدة الألفة،
والتواصل مع الذات القارئة التي تتلقى كتابتها:
"من أينَ نبدأ
في مثلِ هذا الخواءِ الشاسعِ؟
و
إلى أيِّ هاويةٍ
سيقودُنا الأسفُ؟
.العيونُ
لاغيةٌ
الأقدامُ أمطارٌ تتساقطُ بانتظامٍ مُدْهِش".
سوزان تكتب ذاتها وأحلامها وكوابيسها، وتطارد أشباحًا خرافية تسكن روحها، وتتواصل
مع هواجسها، وتسجّل لحظات انهيارها وصدقها واكتئابها، تكتب غربتها وفقدها، وحتى
ثرثرتها أحيانًا، تحملها اللغة التي تشكّلها إلى آفاق لطرح الأسئلة والحفر في
المواطن الباطنية للروح:
"لم نَكْبُرْ
إنّما المدرسةُ هي التي صَغُرَتْ
بسياجِها المطوِّقِ لبراءتِنا
وأشجارِ السَّرْوِ
والباصات".
دومًا، كنت أقول أنني أرى في سوزان عليوان موهبة كبيرة لو توافرت بشدّة لانقاذ
نفسها من المعتاد والمألوف والمتاح.
ولأنها تتمتع بإرادة قوية فقد شغلت روحها بالثقافة، وظلت في سنواتها الأخيرة تقرأ
بشكل مكثّف كأنها تعوِّض أعماراًا فاتت منها، ولأن موهبتها أصيلة فقد تجاوزت
كتاباتها الشعرية السابقة، وحفرت لها طريقًا في جبل الشعر الصعب، تمهد فيه الآن،
وتجرّب كيف تسير فيه، عبر التنويع والطرح المختلف للذات واللغة والبناء:
"أقفُ وحدي
أكسرُ حدّةَ الفراغِ
بقامةٍ ضئيلةٍ
و
أصدُّ الرياحَ المنهكةَ
عن ظلٍّ يتطايرُ
و
لا يلامسُ أطرافَ المطر".
وفي هذا الحوار تفتح سوزان عليوان صفحات من حياتها الخاصة والشعرية:
غادرت أمكنة كثيرة (بيروت، اسبانيا، باريس، القاهرة) فإلى أي مدى شكّلت الغربة
تجربتك الحياتية والروحية، وهل نعتبر أن "القاهرة" هي المدينة التي نضجت فيها نارك
الشعرية، وصار لصوتك أسلوب خاص؟
لا
شك أن الغربة أثّرت عميقًا في تكويني الإنساني والشعري، فتنقّلي الدائم بين المدن
بسبب الحرب في وطني لبنان ترك أثرًا واضحًا في شخصي وفي نصي، تجربة السفر منحتني
ثراءً واسعًا على مستوى الذات والكتابة، ما كنت لأمتلكه لولا الغربة، فمن خلالها
عرفت العديد من البلدان والبشر والحضارات، لكنني مقابل هذا الوعي وهذه الخبرات دفعت
استقراري وإحساسي بالأمان ثمنًا، لقد عرفت الكثير من الغابات، لكنني لم أنعم يومًا
بشعور الشجرة ذات الجذور والانتماء.
بالنسبة للقاهرة، هذه المدينة الرائعة، فهي فعلاً المدينة التي نضجت فيها كشاعرة،
هنا اطّلعت على الثقافة العربية عن قرب من خلال الاصدارات والمبدعين والنشاط
الثقافي، هنا أصدرت أعمالي ومن ثم وصلت إلى الناس في هذه المدينة، أصبح لي صوت خاص
كشاعرة.
ما الذي يدعو شاعرة مثلك من مواليد 1974 (أربعة وعشرون عامًا) أن تقدم على "إحراق"
دواوينها الثلاثة الأولى: عصفور المقهى، مخبأ الملائكة، لا أشبه أحدًا؟ أهو اليأس
أو عدم الرضا عن مستوى شاعريتك، على الرغم من أن الديوان الثالث "لا أشبه أحدًا"
كان يتضمّن بعض القصائد الجيّدة؟
"إحراق" دواويني جاء في لحظة يأس من الكتابة، من كتابتي تحديدًا، لقد نشرت هذه
الأعمال في سن مبكرة، وبالتالي حين تجاوزها وعيي أحسست بعدم الرضا عنها فنيًّا رغم
اعتزازي بهذه التجارب على المستوى الإنساني، مثلاً ديواني الأول "عصفور المقهى":
أعتبره عملاً صادقًا جدًّا، لكنني لا أستطيع أن أنتقي منه الآن سوى خمسة نصوص
جيّدة، في رأيي، ينبغي أن يكون المبدع أكثر قسوة على نفسه من النقاد، وأن يسعى
ليتجاوز ذاته في الإبداع قبل أن يتجاوز الآخرين.
لولا
"إحراقي" دواويني الأولى، لما كنت كتبت ديواني الأخير "شمس مؤقتة". "الإحراق" هنا
فعل تحدّ للذات ولقدراتها الكامنة.
هل أدرت ظهرك للصحافة بعدما درستها بالجامعة الأمريكية في القاهرة؟ أم أنك في حالة
الاختيار الآن بين أن تعيشي شاعرة طوال حياتك، أو أن تمتهني المهنة التي درست
أصولها في الجامعة؟
لم
أدر ظهري للصحافة تمامًا، فقد بدأت مؤخرًا كتابة مقالة في مجلة أسبوعية، لكنني في
خوف مستمر من "دوّامة" العمل التي قد تبعدني عن نصي. الشعر يحتاج إلى إنسان يكرّس
نفسه بالكامل لقصيدته. إنه مشروع حياة، وليس مجرّد جزء منها. في الصحافة عليك أن
تكون وسط الدائرة كقطعة من آلة لا تتوقف عن الدوران، أما في الشعر، فأنت بحاجة إلى
التأمل، تأمل العالم، تأمل الآخر، تأمل الذات. لولا الفراغ والاكتئاب الذي يصيبني
أحيانًا بسبب هذا الفراغ، لعشت شاعرة طوال حياتي.. فقط أقرأ وأكتب.
تقرئين بأربع لغات: الفرنسية، الإنجليزية، الأسبانية، إضافةً إلى العربية. كيف
تكوّن وعيك بالقصيدة الأخرى التي تطرحها الحضارة الأوروبية، ومن هم الشعراء الذين
أثّروا في تكوينك؟
في
طفولتي، وخلال إقامتي في الغرب، عانيت كثيرًا من معادلة الاطلاع على الثقافات
الأخرى مع الاحتفاظ بالثقافة الأم كأرضية. كنت أقرأ الشعر الفرنسي والاسباني
والإندليزي أكثر من الشعر العربي بسبب عدم توافر الكتب العربية بالكم والتنوّع
الذين أحتاجهما، وقد تكوّن وعيي بالقصيدة الأخرى في سن مبكرة جدًّا، إذ قرأت رامبو
وبريفير ولوركا وبروست وأنا لا أزال في المرحلتين الاعدادية والثانوية من المدرسة،
لكنني لم أفكّر أبدًا في الكتابة سوى بلغتي تمسّكًا بهويّتي العربية.
من
الأعمال التي أثّرت في تكويني بشكل عميق كتاب "الأمير الصغير" للكاتب أنطوان دو
سانت إغروبيري، كما أنني أحببت بريفير وتعمّقت في قراءته منذ الطفولة.
"المقهى" و"العصافير" مفردتان أو حالتان لهما سطوة في كل دواوينك، هل وجودهما يرتبط
بوجودك الجسدي مع "المقهى" وكذلك مع "العصفور"؟
المقهى كان وطني البديل في الغربة، ولا يزال، ففي المقاهي أشعر بانتكاء للمقعد الذي
أجلس عليه، للطاولة، لفنجان القهوة، لمنفضة السجائر، لركني الصغير في العالم.
المقهى بالنسبة لي ليس مكانًا فقط، بل هو حالة، حالة انتماء في عالم حُرِمَتْ من
الاستقرار فيه جذوري. في باريس، مثلاً، كان هناك مقهى صغير بجوار مدرستي، تحت سقفه
وبين جدرانه عشت أصدق لحظاتي وكتبت ديواني الأول "عصفور المقهى". في ديواني الأخير
"شمس مؤقتة" استحضرته من الذاكرة، ذلك المكان الجميل.
أما
العصافير، فأنا أحبها كثيرًا، هذه الكائنات الرقيقة الصغيرة التي تشفّ فتطير، لو أن
لأرواحنا البشرية خفّة العصافير لما أصبنا باكتئاب أو يأس.
"رأيت قصيدتي تغادرني".. هل لديك هاجس يا سوزان أن تتوقفي عن كتابة الشعر؟ وهل
عانيت فترة من انقطاع الفيض الشعري، أو داهمك خاطر بأن ما تكتبينه هو محض عدم؟
لديّ
هاجس دائم بأن يهجرني الشعر، فأنا لن أقوى أبدًا على هجره رغم ألمه وعذاباته ورغم
بعض محاولاتي الفاشلة في إسقاط الشعر من حياتي. يحدث أحيانًا أن ينقطع الفيض الشعري
عندي (وذلك لفترة قصيرة)، فأصاب بحالة من الخوف الشديد والقلق، وما أن أعود إلى
الكتابة (أو تعود إليّ الكتابة) حتى أستعيد أنفاسي وأحس بأنني في أمان. أما مسألة
جدوى الكتابة، فهذا سؤال وجودي، وحتى هذه اللحظة لا إجابة عندي لهذا السؤال الكبير. |