الموقف يسيطر على حياتنا وعند الحنين أقرأ للمتنبي

13/10/1998 "جريدة "السياسة

 

تحمل كتاباتها حنين الاستقرار.. والبحث عن موطئ لقدم تلهث وراء أرض تضمها. ألبست قصائدها ثوب الوطن الذي تحلم به، اتّخذت من أبياتها معادلاً لهذا الوطن.. تهرب كثيرًا إلى حروفها وتستأنس بمعانيها وقوافيها.

سوزان عليوان شاعرة لبنانية هاجرت وتجوّلت في أوروبا وتنقلت بين اسبانيا وفرنسا، وبعد أن خرجت من "مخبأ الملائكة" وأكّدت أنها لا "تشبه أحدًا" صدر أخيرًا ديوانها الجديد "شمس مؤقتة" وقد اتضحت في التجربة ووضوح الرؤية.. وهو أول ديوان تكتبه في القاهرة التي شهدت مرحلة دراستها حيث تدرس الإعلام في الجامعة الأمريكية.

حول هذه التجربة من أجل تكوينها والحفاظ على هويتها في ظل رحلتها في أوروبا.. وعالمها الخاص.. كان هذا الحوار:

 

وطن مفقود

 

من المؤكد أن هناك نصوصًا ابداعية لها تأثير في تكوينك وساهمت في تشكيل رؤيتك.. نودّ الحديث عنها..

نظرًا لوجودي في أوروبا كانت صلتي بالكتابات العربية قليلة جدًّا ولكني كنت أحرص دائمًا على مطالعة ومتابعة النصوص العربية، وهذا بالطبع جعلني أطالع الأعمال الأجنبية بشكل دائم وقد تأثّرت جدًّا بعمل "الأمير الصغير" للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إغزوبيري فهو عمل يجمع بين الرواية والفلسفة والشعر.. وفي سنواتي المبكرة تعلّمت الكثير منه وطرح عليّ أسئلة الوجود بشكل جاد.. وكلما كبرت ازداد وعيي بهذا العمل، وكذلك تأثّرت بأشعار "رامبو" وقد تأثّرت جدًّا بقصته في الحياة. هكذا تبدو ثقافتي في أساسها أجنبية ولم ينقذني منها سوى إصرار أمي على أن أدرس اللغة العربية في المنزل، وتحوّلت علاقتي باللغة العربية إلى جسر يوصلني إلى إحساسي بهويّتي.. وكانت اللغة العربية هي الأثر الوحيد لوطن مفقود بالنسبة لي.

 

 

في القاهرة

 

بعد أكثر من 17 عامًا في اسبانيا وفرنسا جئت إلى القاهرة.. وكان قرار الاستقرار فيها ماذا تعني هذه المرحلة بالنسبة لك؟

17 عامًا من الإحساس المؤقت، كنت دائمًا أشعر أني في مرحلة مؤقتة ستتبعها مرحلة أخرى مختلفة، إحساس صعب جدًّا.. كنت دائمًا أبحث عن الاستقرار، وبالرغم منذ لك تأثرت كثيرًا بالمكان هناك وبعض الطقوس في مقاهي باريس وغيرها.. لكن إحساسي بالقاهرة إحساس مختلف تمامًا.. لأول مرة أشعر أني لست في غربة. المدينة بإيقاعها وإحساس ناسها وطقوسهم كلها عوامل ساعدتني على الإحساس بالاستقرار لكن اقتلاعي من جذوري في سن مبكرة أدّى إلى استحالة أن أنغرس في أرض أخرى حتى لو كانت الأرض التي اقتُلعت منها!

 

وهل اختلف مفهوم الكتابة لديك في كل مرحلة من مراحل تكوينك؟

بالطبع اختلف بشكل كبير.. لكن في كل المراحل كانت الكتابة بالنسبة لي هي مرآتي التي تكشفني لنفسي وللآخرين.. في البداية كتابة طفولية جدًّا  تحمل ملامح عفويّتي وفي فترة المراهقة تحوّلت إلى معادل للوطن البديل الذي أبحث عنه في ظل إحساسي بالاغتراب في أوروبا، وفي المرحلة الراهنة استبعدت فكرة الوطن والغربة عن النص وبدأت أرى في هذا النص أشياء أخرى مرتبطة بالإنسان والعالم من حولنا وبعد أن كانت القصيدة مجرّد محاولة للبوح أصبحت أنا في قصيدتي مهمومة بفكرة الفن ذاتها.. تحوّلت القصيدة إلى إعادة بناء وترميم شروخ!

 

 

الطفولة

 

في ديوانك الجديد "شمس مؤقتة" هناك تداخل بين أبياتك وفنون أخرى منها "بصرية، تشكيلية".. كيف ترين هذا التداخل بين الفنون المختلفة وإلى أي مدى يفيد النص؟

دخلت الديوان من فكرة السعادة التي تلمع وتختفي ومن هذا المدخل دخلت في فكرة الطفولة واكتشفت أن فكرة المؤقت مسيطرة جدًّا عى حياتنا ولم أتعمّد أن ألبس قصائدي ثوب فنون أخرى، وأنا أعتقد أن كل ما يدخل على القصيدة يزيدها قوّة فقط إذا أحسن المبدع استخدامها ولا يلغي خصوصية القصيدة ولا الشكل الداخلي لها فهذا نوع من التواصل بين هذه الفنون يثري العمل.. وهذا التواصل يحدث من الحالة التي تفرض نفسها والتي يفسدها افتعال دخول أدوات زائدة.

 

القصيدة الراهنة تشوبها نزعة ذاتية وخروج عن تقليد بناء القصيدة المألوفة.. ما تعليقك؟

كتابة الذات مهمة.. قد تكون مرحلة حل اشكاليتك مع ذاتك وتصالحك مع نفسك.. ومن هنا أدخل العالم بشكل أفضل.. فالذات دائمًا تكون بوابة عبور للعالم والقصيدة الراهنة ليست وحدها التي تنحو نحو الذاتية فالإبداع عامّةً ينحو نحو الذاتية. المهم كيف تُرى هذه الذاتية وكيف يقدّمها المبدع؟

أمّا فكرة الخروج عن مألوف بناء القصيدة فهذا أمر طبيعي وهذا لا يعني تمرّدًا ولكنه مغايرة ضرورية وأنا عندما أشعر بحنين للقصيدة أقرأ للمتنبي.. وفكرة الثبات أمر مستحيل والتطوّر ضرورة والمهم كيف نطوّر ولماذا؟ وفي الشعر العمودي هناك الجيد وهناك السيء وكذلك في قصائدنا هناك الجيد وهناك السيء.. وفي النهاية لا بد أن يكون للفنان عين مغايرة ومبتكرة.

 

 

الآخر

 

وما مشروع كتابتك الجديد؟

فكرة الكتابة عن الآخر.. ولكن أي آخر؟ هذا الآخر المتمثل في كل إنسان له مرجعية أو خلفية في حياتي أو ارتباط بمكان ما، وهو ارتباط مختلف بعيدًا عن الذات أو الأنا المتضخمة في النص.. وفي نفس الوقت أسباب اختياري لهم.. هذا هو مشروعي الجديد ف يالكتابة لأني أهتم جدًّا بذلك، والوعي بهذا الآخر يؤدي إلى رؤية الذات في إضاءة مختلفة سواء كان ذلك في كتابتي أو حياتي.. وقد مررت بمراحل في هذا المضمار ففي البداية كان هناك لونان فقك أبيض وأسود.. أما الآن فاكتشفت درجات من الأبيض ودرجات من الأسود.. واشكالاً متعدّدة لهذا الآخر، لذا أحاول تجسيد هذا الشعور في مشروعي، ديواني المقبل.