أكتب في المقاهي.. وضد إقحام الأنوثة في بناء القصيدة

8/5/1997 "جريدة "السياسة

 

تبقى لكتابة الأنثى العربية جاذبيتها لأسباب وأسباب منها ما هو مشروع ومنها ما هو خارج روح معنى وجودها الابداعي لكن ماذا لو كانت هذه الكاتبة شاعرة مغتربة تستعيد بالشعر طفولتها التي تخربش على بياض الذاكرة بلهو جميل مساءلات شعرية..  إنها كتابة أخرى لها نكهتها الخاصة جدًّا بالفيض الطفولي الذي ينحي أي وجود للشاعرة في القصيدة سواه. هذه حالة الشاعرة العربية المغتربة سوزان عليوان التي لم تصادر منها الغربة بقدر ما استعادت منها الذاكرة العربية الجميلة. استعادت أندلس الروح وأنامل مبدعي جماليات أوابدها الخالدة من أسبانيا حضارة القرن العشرين ولم يخطفها بريق فنتازيا الكتابة بلغة الآخر بل ازدادت تعلّقًا بروح العربية. الشاعرة أصدرت حتى الآن ثلاث مجموعات شعرية: عصفور المقهى 1994، مخبأ الملائكة 1995، لا أشبه أحدًا 1996. غالبت في فصائدها انهزامات الغربة فانكشفت على نفسها طفلة تعيد ابتكار العالم شعريًّا وفق أحلامها الصغيرة الملوّنة ومهما يكن الكلام عن شعرها في هذه الدواوين فإن لسوزان عليوان تجارب غنية ومثيرة عايشتها عبر رحيلها ما بين بيروت وباريس وماربيا والقاهرة ولم تترجلبعدوان في حوارنا التالي محاولة لاكتشاف ما تيسّر من الأوراق السرية لهذه الشاعرة وآرائها العفوية في الشعر والشعرية وتجربتها على هامشها...

 

في البداية حبذا لو نتعرّف على المؤسسات الثقافية لتجربتك وعن تفاعل هذه التجربة مع الآداب التي تعرّفت عليها من خلال اغترابك؟

تعرّفت على الأدب العربي وأدب الغرب معًا إذ أني ادرت مدينتي بيروت إلى أوروبا طفلةً. بدأت بقراءة بعض دواوين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأبو ماضي وقباني وأدونيس وغيرهم. كنت أقرأ ما أعثر عليه من كتب عربية في الغربة.. كما أني قرأت الشعر الفرنسي بدءًا من رونسار وحتى بريفير مرورًا ببودلير ورامبو وفرلين. قرأت أيضًا في الشعر الإنجليزي والأسباني. تأثّرت بهذه القراءات وخاصةً بالشعر الفرنسي لكني لم أفكر أبدًا في الكتابة بغير اللغة العربية فقد كانت جسري إلى الوطن خلال اغترابي وما زالت.

 

تنضح قصائدك بحنين جميل للطفولة وتزداد هذه القصائد بهاء ودهشة بموازاة استعادة الطفلة فيها لشقاوتها.. ماذا في ذاكرتك عن شقاوة الطفولة وما خصوصيات هذه الشقاوة وأثرها في تكوينك الشعري؟

على رغم ذكريات الحرب والغربة كانت طفولتي جميلة. أذكر عن شقاوة الطفولة الكثير. أذكر مشاويرنا (أصدقائي وأختي وأنا) إلى النهر البعيد من دون علم "أهالينا".. أذكر ركوب الخيل والجري بسرعة قصوى على رمال الشاطئ وكأني أسابق الريح بحصاني.. أذكر مدينة الملاهي وجرأتي المدهشة في ركوب ألعابها.. وأذكر أيضًا "حزني الصغير رفيق طفولتي". كان كل هذا في ماربيا الأسبانية، ولهذه الأيام البعيدة أثر في تكويني الشعري بالتأكيد فهي ذكرياتي.

 

على مستوى آخر، ما سر تعلّقك شعريًّا بالطفولة، وما علاقة هذا التعلّق في البحث عن خصوصية الهوية الشعرية لسوزان عليوان؟

أحب طفولتي رغم غربتها وأحزانها وذلك على المستويين الشخصي والشعري فهي في الحالتين ملمح براءتي. أما بالنسبة لعلاقة تعلّقي بالطفولة شعريًّا، وخصوصية هويتي الشعرية، فإني لم أخطّط لهذا وأنا أكتب إنما رأيت هذه العلاقة تتكوّن في كتاباتي. قد يكون تعلّقي بالطفولة ملمحًا متميّزًا في هويتي الشعرية لكنني لم أتعمّد هذا.

 

تنبض قصائد ديوانك "مخبأ الملائكة" بقلق مضاعق من الغربة والاغتراب.. ألا تخشين على القصيدة من تشابه لحظة التكوين الشعري واستهلاكها؟

أخشى ذلك. لقد حاولت أن أعطي الغربة في كل قصيدة من قصائد ديواني "مخبأ الملائكة" دلالة مختلفة، وأعترف بأنني نجحت في هذا أحيانًا، وفشلت في أحيان أخرى.

 

تولد قصائد "مخبأ الملائكة" إحساسًا بأن سوزان تكتب لحظة انكشافها عن طفلة لا تُحد.. كيف حصنت فيك كل هذه البراءة في زمن تسمينه "زمن القبح"؟

بالشعر، حصنت  طفولتي وبراءتي وأحلامي الملوّنة من زمان القبح.

 

هل وجدت سوزان عليوان أخيرًا الملائكة؟ وأية ملائكة تصلح لنهايات القرن العشرين؟

لا، لم أعثر على ملائكتي بعد.. ربما لأن الملائكة لا تصلح لنهايات القرن العشرين، هذا القرن المادي بشكل مفزع.

 

ألا تعتقدين بأن أحلامك في "لا أشبه أحدًا" مفتونة بصورة طوباوية؟

اليوتوبيا حلم قديم.. هي طبعًا حلم مستحيل، لكني أحقق في الشعر ما لا يمكنني أن أحققه في الواقع.

 

تكاد تقتصر تجربتك الشعرية على كتابة القصيدة القصيرة.. ما سبب اختيارك لهذه البنية وما رأيك بقدرة هذه البنية على استيعاب لحظة التشكيل الدرامي للقصيدة؟

القصيدة القصيرة بحظة شعرية مكثّفة. هي الشكل الذي يناسبني ويلائم تجاربي لكني أحاول الخروج من هذا الأسر في قصائدي الجديدة. اتجهت أخيرًا إلى القصيدة الطويلة كمغايرة وكشكل قادر على استيعاب التفاصيل  ودراما الشعر.

 

هل تنطلق تجربة سوزان عليوان من فهم خاص للحداثة الشعرية.. حبذا لو تحدثينا عن هذا الفهم؟

ليس بإمكاني تقييم تجربتي لكني لا أستطيع أن أقول بأني أستخدم بعض ملامح الحداثة الشعرية في قصيدتي وأرفض بعضها.

 

إلى أي مدى تستفيدين من خصوصية الأنوثة في بناء القصيدة؟

أنا ضد إقحام الأنوثة على بناء القصيدة وإنما مع انسيابها فيه. الأنوثة سمكة في نهر القصيدة، لكنها ليست السمكة الوحيدة في هذا النهر ولا هي أكبر أسماكه.

 

هل استطاعت القصيدة النسوية العربية تجسيد عوالمها الخاصة على مستويي الجوهر والصورة؟

نعم، رغم قلة التجارب الشعرية النسائية من حيث العدد.

 

ما رأيك بالشعر النسوي العربي، وما مدى خضور قصيدته إبداعيًّا؟

القصيدة الجيّدة جيّدة سواء كتبها رجل أو امرأة. تعجبي تجارب لينا الطيبي وميسون صقر وإيمان مرسال ولهذه التجارب وبعض التجارب الشعرية النسائية الأخرى حضور إبداعي متميّز.

 

كيف تقرأ سوزان عليوان تجارب نازك الملائكة – غادة السمان – ظبية خميس – سعاد الصباح – عناية جابر؟

نازك الملائكة مؤسّسة القصيدة التي نكتبها اليوم وهي شاعرة كبيرة غيّرت من مجرى الشعر العربي. غادة السمان أديبة لها عالمها الخاص والمتفرّد تعجبني تجربتها خصوصًا حينما تكتب عن الوطن والغربة. ظبية خميس شاعرة مجدّدة وهي من أبرز الشاعرات اليوم. سعاد الصباح، لا تعليق. عناية جابر شاعرة شفيفة أحب عالمها الشعري وأحس أن بيننا ما يتشابه.

 

شعريًّا ماذا توحي لك الكلمات التالية: الوردة، البحر، الليل، الجسد، الفرسان، أسبانيا، الشاعرة؟

الوردة: الجرح الجميل.

البحر: الأزرق.

الليل: مملكتي السوداء.

الجسد: قناع الروح.

الفرسان: أسطورة.

أسبانيا: طفولتي البعيدة.

الشاعرة: الغربيّة.

 

ما هي الطقوس الخاصة التي تمارسها سوزان عندما تكتب؟

أحب الكتابة في المقاهي، أو على مكتبي الأسود ليلاً. وفنجان القهوة المرّة أهم طقوسي.

 

ما هي أوراقك السرية مع المدن التي جاذبتها جمال الروح؟

في السفر، امتلأت حقيبتي بأوراق سرية مع مدن جاذبتها جمال الروح ولعل أبرز هذه المدن على خارطتي القلب والذاكرة باريس مدينة غربتي التي تفتحت فيها على العالم.

 

ما الذي استعادته منك إسبانيا وماذا استعدت أنت منها؟

كانت أسبانيا محطّتي الأولى في مشوار الغربة. استعدت منها البحر والنخيل وزخرفات جميلة (كتلك التي زيّن بها العرب الأندلس على ذاكرتي).

 

كيف تنظرين إلى حركة النقد العربي وما نصيب تجربتك منه؟

الثقافة العربية تمر بأزمة وما النقد إلاّ ملمحًا من ملامح هذه الثقافة ونصيب تجربتي من النقد جيد، فرغم كل ما يحدث على الساحة الأدبية العربية في هذا الزمن لا زالت هناك أقلام تحترم حرفها.

 

ما الذي تخشاه الشاعرة العربية من القارئ والإعلام والنقد؟

الإهتمام بها وليس بإبداعها.

 

أخيرًا ماذا عن نشاطك الآن وما هي مشاريعك الإبداعية؟

أكتب الآن مجموعة قصائد جديدة لنشرها في ديوان قادم.