أبي لم يسألني.. عمن تكتبين

25/2/1997 "مجلة "الرياضة والشباب

 

إنها أشبه بالعصفور الذي لا يحط على غصن، فقد ولدت في لبنان، ثم عاشت في فرنسا، ومنها إلى أسبانيا حيث كتبت أولى قصائدها عندما عرفت كيف تفك خيوط الشعر وخطوطه.. ومن لبنان وفرنسا وأسبانيا انتقلت اليوم إلى القاهرة، حيث تدرس الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية.. وعلى الرغم من كونها امرأة إلا أنها تمتلك جرأة شديدة عن الشعر وعندما تكتب القصيدة.

الشاعرة اللبنانية الشابة سوزان عليوان عاشت حياتها كلها بين الغربة والوحدة، وصدر لها حتى الآن ثلاثة دواوين شعرية أولها كان "عصفور المقهى" سنة 1994، ثم "مخبأ الملائكة" سنة 1995، وثالثها "لا أشبه أحدًا" الصادر هذا العام 1996 كامتداد طبيعي لتجربتها الشعرية، والتي كان معها هذا الحوار:

 

ديوانك الأخير "لا أشبه أحدًا" هو ديوانك الثالث، ماذا يمثّل في تجربتك الشعرية؟

على المستوى الشخصي يمثّل جزءًا من السيرة الذاتية، لأنه من وجهة نظري أيّة قصيدة يكتبها الشاعر حتى لو لم تكن عنه يوجد في مضمونها جزء من روحه وحياته. على المستوى الشعري، "لا أشبه أحدًا" هو الخطوة الأولى التي تظهر وهي تحمل رضاي عنها. ديواني "عصفور المقهى" و"مخبأ الملائكة" لقيا قبولاً من الناس، لكن لم تكن هذه هي القصيدة التي أتمنى تقديمها للناس. ليس معنى هذا أن "لا أشبه أحدًا" هو القصيدة الجيّدة التي أتمنّى تقديمها، ولكنه الأقرب لي، والذي يعكس داخلي بشكلٍ مُرضٍ.. بالنسبة لكل شاعر يوجد شكل يريد أن يقدّمه، توجد قصيدة خاصة به، و"لا أشبه أحدًا" قريب من هذا الشكل الذي أتمناه.

 

لو عدت بالذاكرة للوراء، هل تذكرين أول مرة أمسكت فيها القلم للتعبير عن نفسك؟

كان عمري تقريبًا 9 سنوات، وكان هذا في ماربيا في إسبانيا. القصيدة وقتها ولدت من إحساس بالغربة والوحدة، لأنني أيامها لم أكن أذهب إلى المدرسة.. كنت أدرس مع مدرّسين خاصين في البيت.. أهلي لم يرغبوا وقتها في تغيير المناهج لظنهم أن الحرب في لبنان ستنتهي قريبًا. ظل هذا الحال 3 سنوات، كنت منفصلة خلالها عن الأطفال في مثل سني، وكنت مرتبطة قبلها ببيتنا في لبنان، ومرتبطة بزميلاتي هناك، وكان البعد عنهن ليس سهلاً.

وأذكر أن أول قصيدة كتبتها كانت بالعامية اللبنانية، وكانت القصيدة الوحيدة التي كتبتها بالعامية في حياتي، أنا لا أذكر هذه القصيدة الآن ولكن بقيت معي اللحظة الشعرية، التي أعدت كتابتها وأنا في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، أي بعد حوالي عشر سنين، لأن هذه اللحظة الشعرية كان لها تقدير وإعزاز خاص عندي.

 

ألا يُعد هذا نضجًا مبكرًا جدًّا؟

هذا حقيقي.. وعلى المستوى الشخصي دائمًا الكل يعاملوني في البيت على أنني أكبر من سني.. يعني حملت المسؤولية منذ الصغر.. في الوقت نفسه الوحدة تجعلك تتعمّق في الأشياء.. الوحدة أعطتني رؤية معيّنة للحياة، السفر أيضًا يعطي الإنسان تجارب كثيرة.. مما يجعل المرء يمتلك الكثير من التراكمات، فإذا أضفنا القراءة، وأنا بدأت القراءة من سن خمس سنوات، لأصبحت هذه التراكمات رهيبة.

 

متى كتبت أول قصيدة اعترفت بها أمام نفسك؟

حتى الآن، أسأل نفسي هذا السؤال.. ليس معنى هذا أنه ليس عندي الشعر الذي أكتبه.. ولكن أن تكون عندك قصيدة تقول عنها هذا هو الشعر فهذا شيء غير ممكن. وعندما صدر ديواني الأول "عصفور المقهى" قلت لا يمكن أن يكون هناك أبدع من هذا، وظننت أنني لن أغيّر رأيي إطلاقًا في هذا الديوان، لكنني بعد فترة تساءلت بعجب، هل من المعقول أنني كتبت ونشرت هذا الكلام؟! وأصدرت ديواني الثاني "مخبأ الملائكة"  وتكرّر الأمر نفسه، فالتجريب يمنح آفاقًا جديدة في الشعر، والأن بعد صدور ديواني الثالث "لا أشبه أحدًا" عرفت بالتجربة أن رضاي عن شعري مؤقت، وأن رؤيتي تتّسع يومًا بعد آخر.

 

هل لك عادات خاصة لحظة الكتابة؟

أنا من النوع الذي لا يشترط أن يكون وحيدًا حتى يكتب، فمن الممكن أن أكتب في مكان عام مزدحم، وإن كانت أكثر قصائدي تُكتب ليلاً، ليس لأنني أحب السهر. كتبت في المقهى سواء هنا في القاهرة أو في باريس، أحب المقاهي جدًّا، وأحيانًا أكتب قصيدة وأنا أقود السيّارة أستمع إلى الموسيقى ثم أتمّها بعد ذلك.

 

لماذا تذهب أذهان الناس إلى أنواع معيّنة من الكتابة عندما يسمعون أن الشاعر إمرأة؟

لأن الشاعرات العربيات تحديدًأ أعطين هذا الانطباع، فالشعر النسائي –على الرغم من أنني لا أحب هذه التسمية- أعطى انطباعًا أن شعر المرأة، شعر مطالبة بالحرية، شعر حسي، والشاعرات أعجبهن هذا، وعن نفسي لا أعتبر الشعر الذي أكتبه شعرًا نسائيًّا، فكوني إمراة هذا جزء من شخصيتي وليس كل الشخصية، كأن تكون طبيبًا أو صحافيًّا، أو كأن تكون مصريًّا أو لبنانيًّا، هذا جزء من الشخصية وليس الشخصية كلها. ربما كانت الشاعرات في أزمنة قبلنا –كان فيها اضطهاد- أو في بالد عربية تحدّ من إبداع المرأة، ولهذا يكتبن في هذه الناحية ليعبّرن عن تجربة، لكن لا يجب أن يكون هذا هو شعر المرأة بشكل عام. وعن نفسي أبي متحرّر جدًّا وعلى الرغم من تمسّكه بالتقاليد لكنه في الوقت نفسه لم يسألني مرة عمّن تكتبين هذه القصيدة أو لماذا تكتبينها، كقمع لحريّتي. أنا فتحت عيوني على أن لي حقوقًا، ولي أصدقاء كثيرون.

 

هل أنتِ وجيلك تستطيعون حمل أمانة فن العربية الأول والارتقاء به.. أم أنكم في الطريق به إلى المجهول، خاصةً مع أؤلئك الذين يدخلون بالشعر مجال الألاعيب والتجارب غير الناضجة التي تصرف الناس عنه؟

لا أحب أن أقول: إن جميعنا نكتب قصيدة تجريبية، فهناك قصيدة أخذت طريقًا بالفعل، وأخرى لا تزال في مرحلة التجريب. نحن في مرحلة انتقالية ليس كشعراء فحسب ولكن كعرب بشكل عام في كل مجالات الحياة، والمشكلة أننا معرب عندنا التعود يصبح قانونًا ملزمًا، ودائمًا نقابل التغيير بهجوم، وعن نفسي أمر بمرحلة تجريبية ولم أصل بعد لشكل القصيدة التي أريدها وأسعى إليها.

أما ابتعاد الناس عن الشعر، فليس ناتجًا عن أننا نجرّب فله أسباب اقتصادية واجتماعية، وأيضًا لأن بعض الشعراء يتطرّفون جدًّا في التجريب إلى الحد الذي يخرج بهم بعيدًا عن الشعر، ويكتبون قصيدة أتحدّى أن يفهمها كاتبها نفسه ويظنّون أن هذه هي الحداثة.. فما بالك بالقارئ –الذي لا يقرأ سوى الصحف- كيف يفسر هذه القصيدة التي لا يملك الشاعر نفسه القدرة على تفسيرها! ونحن أساسًا نعاني من الأمية الثقافية، فكيف تجمع كل هؤلاء على أرضية واحدة مفهومة؟  صحيح أن الشعر لا بد أن يقول شيئًا عميقًا، ولكن ليس لدرجة أن القارئ المثقف لا يفهمها.. وللحقيقة أصبح صعبًا جدًّا هذه الأيام أن تكتب قصيدة ترضي القارئ والناقد في الوقت نفسه.

في الغرب كل جديد يجد التشجيع حتى يأخذ شكله النهائي وهذا ما يجعل التجريب يسير في خطى صحيحة، وأنا على يقين أن الكتاب الوحيد المنزل هو القرآن الكريم، فلماذا يحوّل مدّعو الغيرة الشعر القديم إلى نصوص لها قداسة القرآن الكريم؟! هذا خطأ فهذه القصائد كتبها أصحابها وماتوا، لماذا نقف عند هذه التجارب فقط ونقول هذه حضارتنا؟ لماذا نحرم أنفسنا من التطوّر؟ أنا لست ضد القديم. إنني أحبه كله وأستمتع بقراءته، لكنني ضد أن نحرم من التعبير عن عصرنا وعن أنفسنا.

 

في النهاية ما الذي انعكس على حياتك من كتابة الشعر، ماذا أعطاك، وماذا أخذ منك؟

الشعر جعل حياتي جميلة، وليس سهلاً أن أتخيّل حياتي بلا شعر، وبعد صدور الدواوين أضاف مسؤولية فأنا مسؤولة تجاه الذي يقرأ لي ديوانًا وينال اعجابه أن يعجبه الديوان الثاني أيضًا.