|
لي
يدان... إحداهما تنهل الشعر العربي القديم والثانية قصيدة النثر الحديثة
حوار أجرته:
هدى حمد - جريدة "عمان" 27/9/2010
"رشق
الغزال" .. الرمي بالسهم و ربما بنظرة.
وما هالني/ أننا انتهينا أكثر من مرّة/ دون أن أنسى/ في مرة/ اسمك
.. هكذا تشكو للأشباح أنها كلما أحبته كسرها..حتى غيابه في غيابه أصبح صديقا لها،
فهي تغالب التوق، وتغلبها أغنية، وبالرغم من أنهما: "مرحين/ فسيحين معا"... إلا
أنهما: "بين أزقة، كقبور ضيقة".
"رشق الغزال".. هو عنوان ديوان سوزان عليوان الجديد الذي صدر أخيراً
في طبعة خاصّة بغلاف يعكس شفافية النصّ وجماله.. سبعون صفحة تحتضن قصائد سوزان
عليوان، تُقدم عبرها إلى القارئ ولاسيما العاشق، وجهاً آخر من وجوه الحب ونكهة
مختلفة من نكهاته ..
وُلِدَتْ في عام 1974 في بيروت، من أب لبناني وأم عراقية الأصل،
بسبب الحرب صرفت سنوات طفولتها ومراهقتها بين الأندلس وباريس والقاهرة، تخرجت عام
1997 من كلية الصحافة والإعلام من الجامعة الأمريكية في القاهرة. صدر لها في طبعات
خاصة و محدودة عدّة مجموعات شعرية نذكر لها بدايتها الأولى مع عصفور المقهى 1994،
ومخبأ الملائكة 1995، لا أشبه أحدًا 1996، شمس مؤقتة 1998، ما من يد 1999، كائن
اسمه الحب 2001، مصباح كفيف 2002، لنتخيّل المشهد 2004، كراكيب الكلام 2006 ، بيت
من سكّر (مختارات)، سلسلة "آفاق عربيّة" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2007، كل
الطرق تؤدي إلى صلاح سالم 2008، ما يفوق الوصف 2010، وكان آخر أعمالها رشق الغزال
المجموعة الصادرة عام 2011، والتي ستكون محور حديثنا مع الشاعرة سوزان عليوان..
لماذا كان عنوان الكتاب "رشق الغزال"؟ ما دلالاته؟
خصوصًا وأنّه لا يوجد نصّ بحد ذاته يحمل هذا العنوان؟
استقرّ عنوان الديوان على "رشق الغزال" بعد أن فرغت تمامًا من كتابة
النصّ، وإعادة كتابته، ومراجعته مرّات عديدة. اكتمل النصّ، واختمر، وجاء العنوان
لاحقًا كصدى. تردّدت بين عناوين كثيرة، ثمّ ظهر لي "رشق الغزال" في التماعة أخيرة.
كما لو أنّه نجمة توقّع بنورها على ليل من حبر. الديوان على فكرة قصيدة واحدة
طويلة، مقسّمة إلى مقاطع، يبدأ كل منها بجملة مطبوعة باللون الأحمر في الكتاب،
وبالتالي "رشق الغزال" هو عنوان شامل للديوان-القصيدة. للعنوان أكثر من دلالة. فـ
"الرشق"، حسب لسان العرب، هو "الرمي بالسهم"، وهو أيضًا "الرمي بنظرة". وله دلالة
أخرى فيما يخص الغزلان، "المُرْشِق من الظباء: التي تَمُدُّ عنقَها وتنظر فهي أَحسن
ما تكون." العنوان مفتوح على كلّ هذه الدلالات، وواسع. هل معناه إصابة الغزال بسهم؟
أم هو الغزال الذي يصيب ناظره بنظرة؟ أم هو كبرياء غزال بمد عنق نحو السماء؟..
الإجابة أتركها للمتلقي، لا أفرضها عليه، وإن كنتُ أقترحها في أكثر من إشارة في
سياق النصّ.
من النادر أن نجد شاعرًا يهتمّ بتفاصيل أخرى إلى
جوار عمله الإبداعي. ولكن يبدو أنّك وراء تصميم الغلاف الجميل، وأغلفة أخرى أيضا
لك. هل ترين أنّ الغلاف واجهة للعمل الشعريّ من المهمّ أن يعتني بها الكاتب، كما
يعتني بعناوينه وقصائده؟ أم أنّ ثمّة علاقة خفيّة بينك وبين الفنّ التشكيلي؟
الغلاف وجه الكتاب. هو أوّل ما يراه القارئ منه، وهو ما يحضنه بين
يديه ليقرأ، وهو ما يلقي عليه نظرة أخيرة حين يفرغ من القراءة، هو في الواقع أكثر
ما يلامسه القارئ في أيّ كتاب ورقيّ، وبالتالي لا بدّ أن يكون مصمّمًا بحيث يلمس
بدوره شيئًا عميقًا وأصيلاً في القارئ..أهتمّ بأغلفتي، ومعظمها من تصميمي. وأرى
أنّه من البديهيّ أن يهتمّ الكاتب بغلافه. إن لم يعتن بأناقة كتابه، بماذا يعتني؟
بأناقة صوره الشخصيّة مثلاً؟ الجمال قيمة مكتملة لا تقسّم. الذي يحلم بعالم جميل،
لا بدّ أن يصنع أشياء جميلة. هذا واجبه، وهذه مسؤوليته. الكتاب صناعة شاملة من عالم
الأساطير والأحلام، وليس مجرّد عمليّة كتابة لا شأن للكاتب بالتفاصيل التي
تليها..الكتاب قطعة من روح صاحبه، فكيف أقدّم قطعة من روحي إلى الناس دون أن أعتني
بتفاصيلها؟ لي ولع بالفنّ التشكيلي وأرسم أحيانًا، وأعتبر الأناقة البصريّة ضرورة
في الفنّ، لا تقلّ أهميّتها عن تكريس المعنى في الكتابة.
كيف يمكنك وصف مشاهد عديدة ومتصاعدة ومتوترة، تعتمل
في داخل الإنسان ومن حوله، بكلمات قليلة للغاية؟ أين يكمن السرّ في ذلك؟
كلّما هممت بالكتابة، تذكّرتُ وصف مارسيل بروست للرواية:
ككاتيدرائية. بناء عملاق، تزيّنه بأكمله التفاصيل المنمنمة.. هكذا أكتب، بهذا
التصوّر، بهذه الرغبة.. بهذا السقف الشاهق في اعتباري. وكثيرًا ما أعيد الكتابة
مرّات. أحذف مقطعًا أو جملة أو كلمة، أو أضيف، وأحيانًا أقلب النصّ بين يديّ رأسًا
على عقب، تهمنّي الصورة الشعريّة، تهمّني الموسيقى الداخليّة للنصّ، تهمّني الكلمة
الواحدة بقدر ما تهمّني القصيدة مكتملة، يشغلني الشكل كما يشغلني المعنى، إذ لا بدّ
من أن يتناغما إلى أبعد حدّ، كي نسمع حسًّا لقصيدة.
ما من سرّ .. هو عمل دائم على كتلة من طين، قابلة للتشّكل في اليد
التي تصنع منها شيئًا، وعلى هذه اليد أن تكون برهافة وردة وحسم سكّين في آن.. الشعر
لا يحتمل القسوة، لكنّه أيضًا لا يحتمل الترهّلات.. هي مسألة توزان، وعمليّة شاقّة
لا يُطال الجوهر الشعريّ دون مراحلها.
هل ثمّة علاقة بينك كشاعرة وبين حالة التجلّي
الصوفي؟ أعني محاولة جادّة لاستثمار ذلك عبر الشعر. ربّما نلحظ ذلك من ذلك التماهي
الغرائبي، بين "الـ هي" وبين "الـ هو" المتوحّدان مع العالم من حولهما؟
ربّما، وإن كنت لا أتعمّد هذه النفحة أو الصبغة الصوفيّة في شِعري..
ولكن يبدو أنّها من مخزون قراءات قديمة لشعراء التصوّف. بعضهم كان من أصدقاء
مراهقتي.. جلال الدين الرومي مثلاً.
وربّما هو جنوح فطريّ في الروح، يحتّم سعيها لتوحيد العاشقيْن في
واحد، ليكون العناق الإنسانيّ في القصيدة أقوى من العالم والواقع.
التصوّف، بقدر ما هو درجة عليا من الوعي والحسّ، هو أيضًا جوهر
الروح البدائيّة للإنسان.. بتعبير آخر، هو قمّة الهرم وعمقه معًا.
تحضر الطبيعة بعدّة معان في قصائدك. بل تحضر مخلوطة
بأشياء وصور جديدة غير معتادة:
"كمثل مطر على مخمل"، "في غيمة تبغ"، "ولنا أعمار/
كأقواس قزح/ قصيرة"، "أحدثك وحمامة عبر السقف الشفيف/ تحرث حيرتها/ ضجرى" ألخ...
من هذه الكائنات، أغزل فضاء النصّ. أمنحه مكانًا، وأمنح هذا المكان
ملامح أحبّها. كأنّني أرسم. كأنّني أبني عالمًا يُشبه قصيدتي ويحتويها.
منذ طفولتي، علاقتي بالطبيعة وطيدة.. أحبّ الأشجار والغيوم والمطر،
والعصافير صديقتي، في الحياة كما في الشعر.
بجوار غرفتي البيروتيّة شجرة شارع، أصغي لعصافيرها كلّ صباح. من
أصواتهم أعرف أنّ الشمس أشرقت. لا أتصوّر الصباح وتفاصيله من دونهم، هؤلاء الجيران
الصغار.
كيف توازنين بين كفّتي ميراث الشعر العربي وكفّة
الحداثة من دون أن يختل التوزان؟ إذ نرى التأثير القرآني في موسيقى الكلمات، وفي
بعض الصور والعبارات في قصيدة تُفصل دون وزن ولا قافية.
الموسيقى شرط الشعر الأساسي برأيي، وهو ليس برأي جديد.. بول فيرلين
رأى ذلك وأعلنه في قصيدة شهيرة مع ولادة قصيدة النثر في فرنسا، وغيره من شعراء
العالم قبل قصيدة النثر وبعدها.
لي يدان. إحداهما تنهل من الشعر العربي القديم (وهو الأقرب إلى
وجداني وأذني وإيقاعي الأعمق)، والثانية من قصيدة النثر (وهي شكل الشعر المتناغم مع
زمني وجيلي ووعيي ورغبتي في القول وقدراتي في الكتابة).
لا شيء ينبع من عدم. ما من شجرة تستقيم بلا جذور راسخة. لكنّ الشجرة
ليست جذعًا عاريًا فحسب. كذلك الشاعر. لا بدّ له من قدمين عميقتين في التراب، ويدين
تنبت منهما أوراق خضراء، وعلى ذراعيهما تحطّ طيور، ولا بدّ من شَعر يتطاير، لتكتمل
الحالة، وينبض المشهد.
أدين للقرآن الكريم، إلى جانب كونه كتاب الله في عقيدتي، بلغتي،
وبالآفاق اللامحدودة التي فتحها لي، ولا أعتقد أنّ أيّ شاعر يكتب بجديّة باللغة
العربيّة لا يدين للقرآن وللشعر الجاهليّ بمفرداته وصياغة جملته وإيقاعاته، هما
منبع هذه اللغة التي نستخدمها لنكتب أرواحنا وأحلامنا.
عن نفسي، أدين للكتاب الكريم، ولشعراء الجاهليّة (وبالتحديد لأمرئ
القيس وطرفة بن العبد)، وللمتنبّي، بما أعرفه عن لغتي وأجلّه فيها. لولاهم، مع فرق
التشبيه بين كتاب الله ومؤلّفات البشر، لما عرفت ما هو إيقاع روحي بلغتها الأمّ.
تجمعت في "رشق الغزال" الثنائيّات في بوتقة جدليّة
واحدة: الماضي والحاضر، الشمس والمطر، العبثية والالتزام... إلى جوار ثنائيّة الحبّ
بين طرفي "الـ هي" والـ "هو"، إذ لكلّ منهما مزاج مختلف في الحبّ، وفي التعاطي مع
الحبيب. ماذا يصنع التضاد في القصيدة الواحدة؟
يصنع التناغم، فكلّ الأضداد -في العمق- أشباه. هل الحنان نقيض
القسوة حقًّا؟ أم أنّهما وجها عاطفة واحدة في اتّجاهيها؟ هذا مجرّد مثال لكثير من
الثنائيّات التي تبدو من الخارج متنافرة، وهي في جوهرها ضفيرة. العاشقان في ديواني
مثلاً. رغم كلّ الصراعات الدائرة بينهما، وفيهما، على امتداد النصّ، توحدّهما في
ختامه دمعة العالم،الدمعة التي ولدا أصلاً من طينها.
الحبّ هو المسرح الذي يمكن أن تُلعب فيه أدوار
عديدة عبره وبواسطته، وكان حاضرا وبقوّة داخل المجموعة الشعريّة. لماذا اشتغالك
الدائم والمتكرّر على ثيمة الحبّ؟
الحبّ هو الرهان الأوّل للإنسان، وهو رهانه الأخير. بالنسبة لي، هو
القيمة الأعلى والأعمق للروح، وللوعي.لا يدرك الإنسان نواة نفسه إلاّ من خلال
الآخر.الحبّ يثري الشعر كما يثري الحياة. يمنحهما الهواء والماء والنار ولمسة من
تراب. هو العناصر التي يقوم عليها وجودنا، مجتمعة..هل من خلاص للفرد، أو للبشريّة،
سواه؟
ثمّة عفويّة وبراءة وأحلام لا تنتهي... إلاّ أنّ
لعبة القصائد كانت تقوم على تصاعد الغموض والضياع في آن..
"نختلف/ لهول ما نتشابه/ والافتتان يشترط/ بتر
أصابعنا"؟
القصيدة الطويلة تفرض هذا الموج، وهذا المدّ والجزر. لا بدّ من
سلالم صاعدة وأخرى نازلة على امتدادها، لئلاّ تبقى أسيرة العتبة، وتسقط شاعرها
والقارئ في التكرار والرتابة.
كذلك العلاقة التي نسج النصّ جسره بين نقطتيها. فالحبّ كقوس قزح، لا
يختصره لون واحد. بل تتجاور في قوسه الألوان السبعة، وأطيافها حين تتقاطع الألوان.
بلا لعب بالكلمات ومعها، في الشكل والمضمون، يكون الشعر شيئًا
جافًّا كخشبة. أردته غصنًا. حينًا يقف عليه غراب، وحينًا تتفتّح في كفّه زهرة.
لكن لماذا يا سوزان "العاشق إناء فارغ"؟
لأنّه إناء فارغ..ليس العاشق الماء القليل الذي يملأ قلبه في القعر،
وكذلك ليس الأزهار التي تتفتّح من بئره ثمّ تذبل وتتهاوى من حوله أوراقها.. هو
الإناء فارغ إلاّ من نفسه. هو هذا الشكل المجوّف القابل للامتلاء بماء و بورد وبدمع
أحيانًا.العاشق هو العدم الذي تؤنسنه وردة.
كان الشعر والغناء يُخرج الناس إلى الشوارع، وفي
الثورات العربيّة الأخيرة خرج الناس لسبب آخر أكثر تحريضًا من الشعر ألا وهو "الفيس
بوك" و"اليوتيوب"... ما رأيك؟
أم أنّك مع الفكرة التي تقول: الشعر بلا وظيفة عدا
الوظيفة الجماليّة؟
الشعر يحرّض على الحياة، كالشروق حامل الشمس ورسائلها يوميًّا،
كالشجرة التي يطالها الشتاء ثمّ تورق من جديد، كالحبّ والأمل وراية الحريّة. ومكانه
الحقيقيّ في الشوارع والساحات، في قلوب الناس وأصواتهم.
وهل الذين قاموا بالثورات العربيّة ليس من بينهم من هو قاري ومحبّ
ومؤمن بالشعر؟ هل ينفي وجودهم على الفيسبوك والتويتر واليوتيوب وغير ذلك من مواقع
التواصل الاجتماعي علاقتهم بالشعر؟ لا بدّ أنّ الشعر، بشكل أو بآخر، حرّضهم على
الحلم ومحاولة تغيير الواقع وتحقيق ما يستحقّونه من نصر على الطغاة.. ألم يحرس
الشعر، على الأقلّ، المعنى في أعماقهم طيلة السنوات الماضية؟
لا أدّعي أنّني من شعراء الثورة، أنا ابنة الهزائم العربيّة
المتتالية (مواليد 1974)، فشِعري ليس سياسيًّا ولا جماهيريًّا.. لكنّني على يقين
بأنّ الذين ثاروا على الطغيان في بلادنا، بعضهم قرأ لأمل دنقل ومحمد الماغوط.
ألم تُقرأ في ميدان التحرير "لا تصالح"؟ ألا يردّد ثوّار سوريا
قصائد الماغوط الموجوعة الموجعة؟
الشعر لا يفصل عن الحياة، وإن بات دوره هامشيًّا في عالم اليوم. هو
بعضها، وهو نبضها، وما يجمع الثائر والشاعر هو نواة الحلم في الإثنين. جوهرهما
ولحد، ويسعيان لتجميل العالم، أحدهما بخطوة على الأرض، والآخر برفّة جناح.
هل ثمّة متّسع لقصيدة النثر، أو للشعر الحرّ اليوم
يا سوزان؟
قصيدة النثر العربيّة الحقيقيّة لم تولد بعد.. ما زالت جنينًا في
ظلام المشهد. المستقبل لها، للكلمة الحرّة من كلّ قيد، الكلمة الشمعة والشمس،
الكلمة الإنسان.
الغد لقصيدة النثر، للعاشق والوردة، للناس مبتسمين.
لقد عشنا زمنًا صعبًا، كلّ شيء فيه ملتبس: من مفهوم الوطن إلى معنى
القصيدة. سيأتي مَن بعدنا وسيكونون أجمل منّا، وقصائدهم كذلك. |