|
خجولة وذكية تشعر معها أنك تجلس مع طفلة كبيرة سافرت منذ نعومة أظافرها متنقلة بين
بلدان شتى، واغتربت عن بلدها الأم وفي رحلاتها كانت تأخذ من كل مكان تذكارًا وتترك
ذكرى وعندما يغلبها الشجن وتلفها الوحدة تهرب إلى ورقة بيضاء وتغزل من أصدق الكلمات
قصيدة ترسلها إلى ليل السهارى. هي الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان التي عرفها
القارئ، لأول مرة، من خلال ديوانها "عصفور المقهى" ثم توالت بعد ذلك دواوينها "مخبأ
الملائكة" و"لا أشبه أحدًا".
وكنّا قد حاولنا الاتصال بسوزان منذ فترة فجاءنا صوتها من خلال رسالة مسجّلة على
"الآنسرمشين" ليخبرنا بأنها على سفر وستعود قريبًا ونحن بدورنا تركنا لها رسالة
نخبرها فيها بأن "فرح" تريد أن تلتقي بها لنقلّب معًا صفحات من كتب شاعرة الغربة
والسفر.
ومرت
الأيام ورنّ التليفون في "فرح" ليخبرنا بأن سوزان عادت وسعدت جدًّا باتصالنا بها
وترحّب بالحوار معنا وفي الموعد المحدّد ذهبنا إليها فاستقبلتنا بوجه بشوش وابتسامة
عذبة زاد من جمالها صوت الموسيقى الذي كان ينساب بين أرجاء المنزل المنسّق بذوق
يكشف عن شاعرية صاحبته. قلنا لها حمد لله على السلامة فقالت بصوتها الخجول أهلاً
وسهلاً ثم سألتنا هل تحبّون الشاي بالنعناع؟ فقلنا ما أجمله من يد سوزان.
ومع
أولى رشفات الشاي عرفنا أنها كانت في رحلة بين بيروت وباريس ولندن حيث قرأت هناك
مجموعة من أشعارها في ندوات اعتادت الجاليات العربية أن تقيمها وتدعو إليها شعراء
وأدباء عرب.
سألتها من هي سوزان عليوان في سطور؟
ولدت
في بيروت. غرّبتني الحرب عن وطني. عشت طفولتي في ماربيا الأسبانية ومراهقتي في
باريس. نشرت أشعاري في المجلات والصحف وأدرس حاليًّا الصحافة والإعلام في الجامعة
الأمريكية بالقاهرة ولي عدّة دواوين شعرية منشورة.
ضياع الأماكن
كيف كان تأثير الغربة عليكِ من الناحيتين الشخصية والإبداعية؟
صمتت
سوزان قليلاً وكأنها تستعيد بذاكرتها شريطًا سينمائيًّا لرحلة طويلة ثم بهدوئها
المعتاد قالت:
أعتبر نفسي طفلة مسكونة بالغربة ولعل الغربة هي المكوّن الأساسي الذي أثّر في
شخصيتي وبالتالي انعكس ذلك على كتابتي فالغربة علمتني كتابة الشعر حيث أنني تركت
بلدي لبنان منذ الطفولة المبكرة وبعد ذلك تنقلت مع أسرتي بين أماكن كثيرة، وبالطبع
المكان واضح تأثيره في قصيدتي فهناك دائمًا بحث عن مكان وعثور على مكان فيما بعد
يضيع. هناك صور تمتلئ بها ذاكرتي لحقائب السفر والمطارات، لحجرات الفنادق وليال
طويلة من الوحدة في ظل قمر غريب. أتذكر الآن المقاهي التي جلست فيها في بلدان
مختلفة وأتذكر وجوهًا متنوّعة القسمات والملامح تطل من بين الزحام.
هل نعرف من هذا أن طفولتك كانت حزينة؟
طفولتي كانت حزينة إلى حد ما تحت تأثير الغربة والبعد عن الجذور وكان من المفترض
وأنا أنمو يومًا بعد يوم أن أبحث لنفسي عن كيان بعيدًا عن بلدي وعن لغتي وأعتقد أن
هذه لم تكن تجربة سهلة خاصةً أن التي كانت تخوضها كانت طفلة صغيرة.
ضباب بيروت
عندما غادرت سوزان الطفلة مع أسرتها بيروت خلال الحرب ما هو آخر شيء تتذكّرينه من
تلك اللحظات؟
نحن
تركنا بيروت خلال الإجتياح الإسرائيلي لها وآخر شيء أتذكره أن الكهرباء كانت مقطوعة
عن بيتنا وكان الجو ظلامًا بالرغم من أن النهار لم يكن قد انتهى بعد لكن المناخ كان
شتويًّا وضبابيًّا. أحسست بالظلام من حولي ثم ركبنا طائرة أعتقد أنها كانت آخر
طائرة غادرت مطار بيروت قبل أن يُغلق لفترة طويلة.
وأين ذهبتم بعد ذلك؟
ذهبنا إلى قبرص وجنيف وزيورخ وأمضينا في كل مدينة من تلك المدن شهورًا قليلة وبعد
ذلك استقرّ بنا الحال في أسبانيا لمدّة ست سنوات.
وماذا عن الدراسة هل التحقت بالمدرسة بعد وصولك إلى أسبانيا؟
في
البداية لم أدرس فقد كان عندي المنهج الخاص بكل عام دراسي في لبنان وكان أهلنا
يحضرون لنا في المنزل مدرّسين خصوصيين يدرسون لنا عربي وفرنساوي فالأهل كان عندهم
أمل في أن الحرب ستنتهي سريعًا ونعود إلى لبنان مرة أخرى ولكن عندما وجدوا أن
المسألة طالت لمدة سنتين أو ثلاثة ألحقونا بمدارس أسبانية وبعد ذلك بمدارس إنجليزية
ثم مدارس أمريكية.
هوية عربية
كيف استطعت الحفاظ على هويتك العربية ولغتك وتراثك وأنت تعيشين في أسبانيا؟
والدتي كان لها فضل كبير في ذلك لأنها جعلتنا نحب اللغة العربية فقد كانت تخاف أن
نكبر ونصبح كأبناء الأسر الصديقة لنا الذين هم عرب لكن لا يتكلمون العربية وأنا على
المستوى الشخصي كنت أسعى للتعرف على اللغة العربية بشكل أكبر فقد كنت أشتري من
مصروفي كتبًا ومجلات وجرائد عربية وكنت أجد هويتي في هذه الأشياء.
ما مدى تأثرك بالثقافة الغربية؟
ثقافة الغرب أفادتني على مستويين، على المستوى الشخصي هناك أشياء كثيرة أخذتها من
الغرب وللأسف نحن لدينا فكرة سيئة عن الغرب وأن كل الأشياء السلبية هي التي نأخذها
عن الغرب وهذا غير صحيح فهناك أشياء كثيرة إيجابية يمكن أن نأخذها من الغرب مع
الاحتفاظ بتقاليدنا ومبادئنا الشرقية. أما على المستوى الإبداعي فقد كان هناك تأثير
بالنسبة للشعر الفرنسي والأسباني والإنجليزي لأنه بالطبع كانت قراءتي تتوزع بين
العربية وتلك اللغات الثلاثة الأخرى.
ورقة خريف
بدايات العلاقة بالكتابة كيف جاءت؟
بدأت
أكتب وأنا عندي تقريبًا تسع سنوات وكانت هذه أول مرة أكتب فيها ووقتها كتبت قصيدة
بالعامية اللبنانية لا أتذكر الآن نصها لكن ما أتذكره عنها أنني كنت أشبّه فيها
نفسي بورقة خريف تشكو من الغربة والحزن والوحدة وبعد ذلك بدأت أكتب بالفصحى ونشرت
قصيدة في إحدى المجلات العربية التي شجعتني مما جعلني أواصل الكتابة.
كيف استقبلت الأسرة سوزان الشاعرة؟
أسرتي في البداية كانت مرحبة ولاقيت منها الكثير من التشجيع لكن مع مرور الوقت أصبح
هذا بالنسبة لهم شيئًا عاديًّا.
هل تعتقدين أن هناك ما يسمّى بالأدب النسائي؟
أنا
ضد فكرة الأدب النسائي وأعتبرها فكرة عنصرية وأنا أكتب الشعر مؤمنة بأن الشعر في
النهاية هو شعر فقط ولا يوجد شيء اسمه قصيدة نسائية بل أرى أن تلك التسميات لا معنى
لها.
سفر وموسيقى
جاء سفرك وأنت طفلة اضطراريًّا وبسبب الحرب فما الذي جعلك تدمنين السفر بعد ذلك؟
كنت
أعتبر السفر في البداية هو قدري ولم أكن أحبه لكن الآن أصبحت أحب السفر جدًّا ومن
الصعب أن أستقر في مكان.
ماذا تقرئين الآن؟
أقرأ
الآن ديوانًا شعريًّا للشاعر العماني سيف الرحبي بعنوان "جبال" وكنت قبل ذلك قد
قرأت كتابًا يحوي مختارات لشعراء أسبان مكفوفين قامت بترجمتها إلى العربية إلهام
عيسى وصدرت في كتاب يحمل عنوان "عرّاف الضوء".
من الواضح أنك تحبين الموسيقى خاصّةً أن حوارنا هذا يجري مع خلفية من أنغام موسيقية
نسمعها تتردّد في أرجاء منزلك؟
علاقتي بالموسيقى حميمة جدًّا لأنّني من عشاق الموسيقى وأديرها لمدّة 24 ساعة في
منزلي فأنا أعتبر الموسيقى هي الشيء الوحيد الذي يجعل الإنسان يطل على عالم أفضل من
الذي نعيشه.
وأي الأنواع الموسيقية تفضّلين وما الأصوات الغنائية التي تحبينها؟
أسمع
أشياء متناقضة وأحبّها جميعًا، جديد وقديم، أجنبي وعربي، وموسيقى وغناء.
تقيمين الآن في القاهرة لمواصلة الدراسة فهل أحببت القاهرة؟
القاهرة تشعرني بالأمان والألفة والناس دائمًا في الشوارع وتسمع صوت الآذان يتردّد
في أرجائها خمس مرّات في اليوم فلا تشعر بالوحشة والغربة التي يمكن أن تشعر بها في
أية مدينة أخرى.
وفي
نهاية حوارنا اختصت سوزان عليوان قراء "فرح" بهذه القصيدة:
قلبي
كالفراشة
أضاع
عمره
بحثًا عن النور
وعندما وصل إليه
احترق. |