|
أنا شاعرة
عحوز، رسامة طفلة
حوار أجراه:
نائل الطوخي - جريدة "أخبار الأدب"
28/12/2008
"لست
ضيفة على مصر"، قالت الشاعرة سوزان عليوان رداً على ملاحظتي على طلاقتها في العامية
المصرية. سوزان التي عاشت في القاهرة عشر سنوات تحرص على زيارتها في السنة مرتين،
وكانت هنا هذه المرة بمناسبة صدور ديوانها الذي يحمل عنوانا قاهريا "كل الطرق تؤدي
إلى صلاح سالم":
حول رؤيتها لنفسها كشاعرة ورسامة كان لنا معها هذا الحوار:
نبدأ من عنوان الكتاب. لماذا صلاح سالم؟ ولماذا القاهرة؟
كتبت هذا النص كمحاولة لتثبيت السنوات العشر التي قضيتها في القاهرة، أي في فترة
التكوين التي ضمت دراستي الجامعية. جئت القاهرة في 91 وغادرتها عام 2000. القاهرة
لها خصوصية. بالإضافة إلى أن هذا السن شهد بدايات نضجي. عندما كنت أزورها بعد ذلك
وجدت الأماكن التي تعلقت بها تختفي. بدأت السنوات تفلت من يدي وبدأ المكان يفلت،
فهي محاولة لكتابة كليهما، كنت مثل شخص يخاف أن تضيع منه أشياءه. شارع صلاح سالم لم
تكن لي أية علاقة به باستثناء وجود مقهى أحبه في مصر الجديدة، وبالتالي كنت أضطر
للمرور به للوصول إلى المقهى من المهندسين حيث أسكن. بالنسبة لي كمنت خصوصية صلاح
سالم في كونه يربط القاهرة بالمطار، أي بالرحيل، هو الشارع الذي يصل المدينة
بمغادرتها أو بالعالم. هو شارع غريب، طويل جدا ويشبه النيل أو الشريان.
الديوان عبارة عن فقرات تحول صور مبتورة أو مشروخة، باستثناء النهاية التي تصلين
فيها إلى بوابة العالم، هل حاولت صنع شيء مثل النهاية السعيدة؟
الشعر حسم الصراعات الدائمة في الديوان، بين الروح والجسد وغيرها، لصالح الخلاص.
خلاص قلت كل شيء. الصفحات الأخيرة مثلت بالنسبة لي حالة صفاء غير طبيعية في الكتابة
والحياة. كأنني كنت أمسك بكرة صوف ثم فككت كل خيوطها. كانت هناك نهايات اخرى كثيرة
للديوان ولكنني ظللت أعلقها لشهور، إحدى النهايات كانت: "رصاصات في راسي يليها
النوم الناصع"، ولم أكن راضية عنها، كنت أبتعد عن النص ثم أعود له وأتساءل لماذا لم
ينغلق على المدى والاتساع كما أريد؟ وعندما فكرت في هذه النهاية شعرت بفرح غير
طبيعي.
ألا ترين "الخلاص" مفهوما رومانسيا؟
نعم. هذا صحيح. ولكن لديّ تصوراً بأن الشعر لا يمكن أن يقطع هذه الصلة بالروح،
الشعر لن يصبح شعرا إذا لم يحتو على الروح والإيمان وسائر الأشياء التي يرفضها عقل
الانسان المعاصر. ما هو الشعر بدون الموسيقى والروح وسعيك للخلاص؟ وإذا لم يغيرك
الفن فلماذا تكتبه؟ زمان كان يقال أن الفن يغير العالم، ثم صرنا نسخر من هذه
الفكرة. ولكن إذا لم يغير الفن العالم، ولم يغيرك أنت أيضا، فهي كارثة.
الشعر هنا يختلف عن الفنون الأخرى؟
أنحاز للشعر عموما بين الفنون، وهذا لا ينتقص من الفنون الأخرى. أحس أن الشعر هو
الأضعف والأقوى معا في العالم الآن. وأتأمل المفارقة التي كمنت في خفوت الشعر لحظة
خفوت السؤال الإنساني، كأنه آخر فن صار عليه طرح هذا السؤال. الشعر له علاقة
بالضمير. عندما نتذكر مقاومات العالم كله فالشعر هو أول ما يخطر ببالنا. هناك
نيرودا وبول ايلوار، وبودلير ورامبو، حتى لو لم يدافع رامبو سياسيا فتكفي قصيدة مثل
"ديمقراطية" التي نقرأها في 2008 ونكتشف انه كان رائدا. مطلوب من الشعر أن يكون
شجاعا، وأن يفضح ليس ذاته فحسب وإنما العالم. هناك طير أبو قردان الذي ينقي الدود
من الطين. هذه مهمة الشعر. الشاعر يكتب لحظته، يصفي العالم، ليس عليه فقط أن يكون
أكثر صفاء، وإنما أن يخلق مساحة بيضاء في العالم أيضا.
ألا يمكن أن يكون تفرد الشعر في شكله، لا مضمونه؟
لا. الشعر هو المعنى وليس الشكل. كل شيء له طبيعته، من النبع الى المصب. أنا أرسم
ولكنني لا أقول أنني تشكيلية، لا أجرؤ على هذا لأن هناك تشكيليا يؤمن بأن الرسم هو
صوته الخاص. هذا يتصل بجلدك وبدمك. ليس بمعنى ان الشعر هو رسالة عليها تخليص
البشرية، ولكن بمعنى حبك لكرسيك وسريرك. عندي شعور كذلك أنه عندما كان الشعر فنا
ناجحا تبناه الكثيرون وعندما فشل تخلوا عنه. النجاح له ألف أب والفشل يتيم. أنا أحب
الشعر وأؤمن به، أما جدواه فهي قضية يحسمها الزمن.
تطبعين دواوينك على نفقتك، هل يرتبط هذا بإحساسك أن الشعر هو ورطتك الخاصة التي لا
يجب أن يتورط فيها الآخرون؟
نعم، وعلى فكرة، عندما قررت الطباعة على نفقتي كانت المؤسسة لا تزال لها بعض
المصداقية. الآن حتى الشاعر الذي ينشر في دار نشر خاصة فهو يدفع للدار. لم تعد
للشاعر مكانة مثلما كان في العصور السابقة. الأخير الذي كان بإمكانه الحديث عن
المبيعات هو محمود درويش. في السنوات الأخيرة اكتشفت كنت مؤمنة في اللاوعي بأن
الشعر هو موقفي الشخصي من العالم وأنا أقرر النشر على نفقتي. الشعر ليس شيئا يحتاج
للمؤسسات. مثلا أنا لا أستطيع هضم فكرة حفل التوقيع. والمرة الوحيدة التي قمت بها
حدث ارتباك، أرادت ناشرة لبنانية صديقة أن تحتفي بديواني الأخير وقررت إقامة حفل
توقيع له في دارها، برغم أنني أصدرته على نفقتي وأوزعه مجانا. اضطرت صديقتي في
النهاية لتوزيع كتابي مجانا ومعه كتاب كان من المقرر أن تقيم له حفل توقيع في نفس
الوقت. لا يمكنني أن أكون شاعر وأجلس بجانب الكاشير لأتابع المبيعات.
ولماذا نشره إذن طالما أنه أمر شخصي؟
هذا سؤال أحيانا أفكر فيه، ولكن دعني أقول لك أنه لولا أن أصدقائي متواجدون في
أماكن كثيرة من العالم لم يكن من الممكن إلا أن أطبع عددا قليلا من النسخ. وهذه
النسخ تقرأ فعلا. أستطيع الادعاء بأن شعري يُقرأ، ولكنني لا أستطيع الادعاء بأنه
يبيع. الشعر لا يباع حتى مثلما تباع نتيجة الحائط، واللوم ليس على القارئ فقط، ربما
نكون نكتب شعرا لا تحبه الناس أو لا يصلح لها. وعموما ففعل الكتابة هو صوت، والصوت
يعني بشكل ما الخروج إلى الآخر.
الصورة في ديوانك مهمة جدا، تعتمدين عليها مصدرا أساسيا للشاعرية، ليس اللغة ولا
السرد؟
الصورة بالنسبة لي أساسية، بشرط أن لا تكون العامل الوحيد لشعرية النص، ولكنني
أتصور أن هناك اعتناء زائدا باللغة بالنسبة لكوني شاعرة قصيدة نثر. السرد له أماكن
أخرى. أحب الصورة لأنني أشعر أن الشعر رؤية. الشاعر إنسان مبصر، ولابد أن يرى بشكل
يختلف عن رؤية الآخرين، وليس أعلى منهم بالضرورة. وهناك التزام في رؤيته. لا يستطيع
أن يرى شيئا يتناقض مع الضمير الإنساني. لا يجب مثلا أن يرى أن الحرب هي أمر غير
بشع.
والحرب الأهلية اللبنانية.. هل لها تأثير على قتامة صورك الشعرية؟
لا. غادرت بيروت وأنا في السابعة، لم أعش تجربة الحرب الأهلية اللبنانية. وبالتالي
لم أستطع الحديث عنها في الشعر، أنا أقل أبناء جيلي تأثراً بتجربة الحرب في شعري.
في نفس الوقت فإن الإقامة بعيدا عن وطنك الذي تدور فيه الحرب، تنمي لديك حسا عدميا،
تشعر أن الجميع مهزومون وألا معنى للانتصار. أشعر أحيانا أنه بينما فقد من كانوا في
لبنان وقتها أعزاء عليهم فأنا قد فقدت وطنا بأكمله، ولكن كل هذا هو ترف الحديث عن
الحرب من بعيد. ربما لهذا، ونوعا من التكفير عن ذنب مغادرة لبنان وقتها، فلقد أصررت
على البقاء في بيروت في حرب 2006 الأخيرة، برغم توافر الفرصة لمغادرتها. بقيت أيضا
في مكان لا يعاني القصف المباشر، برغم هلع الحرب ومظاهرها غير الطبيعية، الدبابة
التي تقف أمام بيتك والمسلحين الذين تراهم يوميا في الشوارع مثلا.
اهتمامك بالصورة الشعرية، هل له صلة بكونك رسامة؟
العكس بالضبط هو الصحيح. اهتمامي بالرسم جاء بسبب الشعر، ما دفعني للرسم هو أنني
كنت أؤمن دائما بأن الشعر هو رؤية. كنت أرسم شأني شأن كل الأطفال، ولكن حدث موقفين
متزامنين جعلاني أبتعد عن الرسم لعشرين عاما. عندما رأيت صديقا لوالدي يبيع لوحة
رسمها. أدركت حينها أن اللوحة، بعكس القصيدة، إما أن تصبح لك أو للآخر، وفزعت لفكرة
أن الرجل لن يرى أبدا صورة الحصان التي رسمها في اللوحة. ثانيا، حياتي في الغرب
لفترة طويلة جعلتني أبحث عن فن فيه لغة تعيدني إلى جذوري، وكان الشعر هو أنسب فن
لهذا. في القاهرة بدأت أعاود الرسم من جديد. وعندما غادرتها شعرت بفراغ رهيب فأخذت
أرسم بكثافة. اكتشفت بعد ذلك أن الرسم فن مبهج على عكس الكتابة. لا أعرف هل هذا
بسبب ارتباطه بالألوان أم لكوني جديدة عليه.
كان هذا سؤالي الأخير: فصورك الشعرية قاتمة وموحشة على قدر ما أن رسوماتك مبهجة
وطفولية.
نعم. أنا أرسم بزاوية غير التي أكتب بها. أعتقد أنني غير ناضجة في الرسم. بينما
هناك في الكتابة مكان شخت فيه. هذا لا يعني أنني أكتب بدون دهشة. هناك في الشعر
دهشة ولكنها ممزوجة بالألم. في الرسم أنا أرسم بدون ذاكرة أو تاريخ. مازلت أرسم
بفرحة. أنا لست رسامة ولن أكون رسامة أبدا. قولي بأنني رسامة فيه قدر من الادعاء.
أشعر بأن الشعر يشبهني اكثر. أما الرسم فيشبه ما أحلم به، فيه الصفاء والعفوية التي
أتمناها. عندما أكتب أكون مسيطرة جدا على النص، بينما في الرسم هناك أشياء تقوم بها
الألوان والورق وحدها، هو فن غير محكم، وليس فيه إعادة كتابة أو رقابة مثل الشعر.
إذا كانت هناك بقعة حمراء فعليك بالتعامل معها لان البقعة صارت جزءا منه.
|