|
ترسم كما يرسم الاخرون وتكتب القصيدة كما يكتب الشعراء، ولكن رسوماتها لا تشبه
رسوماتهم واشعارها لا تشبه اشعارهم، هكذا تبدو لي سوزان عليوان متفردة في لغتي
التعبير .. الرسم والشعر.. وليس بالضرورة ان يكون ما ترسمه هو كل الرسم، وما تكتبه
هو كل الشعر.. لكنها تختار ان تكون هنا وهناك كما يختار الطائر ان يبني عشه قشة..
قشة حتى يكتمل الغناء، وتورق الالوان فوق اغصان الحياة.
سوزان عليوان اسم له دلالة توحي بالشعر والفن معا.. حيث تتحدث تبدو لك الاشياء
مختلفة.. ماذا تريد سوزان ان تقول عبر تلك الوجوه المواربة التي ترسمها او من خلال
'كراكيب الكلام' او النثر الذي تكتبه؟
في خضم هذا الفضاء الجميل الذي تحلق فيه بجناحي ابداع اطلق العنان لأسئلتي.
متى فككت من ذاتك قيودها لتنطلق اجنحة الشعر واشرعة التشكيل؟
- هي الطفولة التي نعبر عن خلالها الى الموهبة لتأخذ الاشياء اشكالها الاتية من
احتفائنا بوجودنا.. كنت في الخامسة من عمري حين رسمت اول مرة مما دفع معلمتي في
المدرسة الى ابلاغ والدي بموهبة جميلة تنتظرني على ابواب الحياة لكن احساسي بالرسم
تأثر قليلا حين علمت من احد اصدقاء والدي ان ما يرسمه الفنان ليس ملكا له وانما
يصبح ملكا لاخرين قادرين على شراء اللوحة حين باع صديق والدي لوحة الحصان التي
رسمها، وكان يعتز بها، شعرت بالحزن وتوقفت عن الرسم لئلا يحدث لرسوماتي ما حدث ل
'حصانه' في تلك المرحلة كان الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 82 وكنا اخر المغادرين
من مطارها الى قبرص ومن ثم اسبانيا التي عشت فيها خمس سنوات كتبت خلالها الشعر
ونسيت تماما الرسم لكنني عدت اليه في عام 2000 .
اي بعد انقطاع دام 18 عاما لكنني كنت متابعة للفن التشكيلي وشغوفة به وبالموسيقى،
احببتهما اكثر من حبي للسينما على عكس شعراء النثر الاخرين المغرمين بالسينما
وبالمشهد المتحرك اكثر من شغفهم بالتشكيل.. تولدت لدي مساحة من الابداع فاصدرت
كتابا صغيرا من 36 صفحة يحوي اشعاري وبعض رسوماتي تحت عنوان 'كائن اسمه الحب'.
شعر وتشكيل
هل تقيمين نفسك كشاعرة او كفنانة تشكيلية واين تضعينها في خانة الشعر ام
التشكيل؟
- الاخرون هم الذين يقيمون، انا اكتب الشعر او النثر واشياء سردية مثل الشعر واجد
نفسي شاعرة ولكن لدي حساسية تجاه الالقاب عموما، وبالنسبة إلى الفن التشكيلي لا اجد
انني فنانة تشكيلية فهذه الكلمة مربكة لي.. لان الفنان التشكيلي يمتلك ادوات كثيرة
لا امتلكها مما يجعلني منبهرة بكثير من الفنانين التشكيليين.. ما اقوم به على صعيد
التشكيل هو نوع من انواع التعبير ليس اكثر واقوم به من منطلقات شعرية وليس تشكيلية
واجد انني متمكنة من ادوات الشعر اكثر ومع ذلك لست واثقة بشعري.
هل كتبت شعر التفعيلة او غيره من انواع الشعر؟
- درست العروض واللغة العربية على يد استاذ خاص في البيت لانني كنت اعيش بعيدا عن
لبنان وعلاقتي باللغة العربية علاقة خاصة جدا وحميمة جدا وشاعري المفضل هو المتنبي
وحين بدأت الكتابة كان شعر النثر مطروحا بقوة وعلى الرغم من اعجابي الكبير بالمتنبي
الا انني حين اكتب لا اكتب سوى قصيدة النثر.
أين يكمن الشعر في رأيك؟
- انا اعتبر الشعر حالة او موسيقى داخلية للنص وهذا ينطبق على القصيدة العمودية
والنثرية وقصيدة التفعيلة وحتى العامية قد تكون تلك الموسيقى موجودة او غير موجودة
في كل تلك القصائد مجتمعة، فالشعر من وجهة نظري غير مرتبط بوجود قافية او وزن بقدر
ارتباطه بتلك الحالة او ذلك الشيء الصغير جدا والخافت جدا الذي يمكن ان نلمحه ولكن
لا يمكننا لمسه.
غياب المشروع الشعري
بمن تأثرت من شعراء الغرب خصوصا انك تنقلت بين اكثر من بلد اوروبي؟
- لدي ولع ببودلير الفرنسي وكذلك لوركا الاسباني وغيرهما من شعراء اوروبا ولدي
اعجاب بروائيين عالميين مثل كافكا وماركيز وهناك روائي ياباني يدعى موراكامي هناك
امتداد للاجيال العظيمة في اوروبا وفي اليابان، حيث تجدين اسماء كبيرة قديمة واسماء
معاصرة بينما لا نجد هذا الامتداد للاجيال في عالمنا العربي مما يجعلنا نتساءل
لماذا منابعنا العربية بعيدة جدا ولا توجد روافد؟ هناك نصوص تعجبني لعدد من الشعراء
ولكنها نصوص مستقلة وقليلة جدا ولا يوجد تجارب كاملة او رؤية تقدم مشروعا شعريا
متكاملا.
إدانة للعالم
غالبا ما يسأل الشاعر عن دوره عن وظيفة الشعر سواء في المشهد الثقافي العام او
في المشهد الواقعي المعيش بكل احداثه وتداعياتها، هل من دور فعلي للشعر او الشاعر؟
- حين بدأت الكتابة كنت احمل الشعر اكثر مما يحتمل، كنت اعتبره رسالة لها وظيفة
انسانية وقيمية وحياتية شاملة ولكن بعد حرب العراق وما تبعها من احداث في اكثر من
بلد عربي وصلت الى درجة من اليأس وكل ما يمكن ان يقوم به الشعر الآن هو ما يمكن
تسميته بموقف ادانة لما يحدث في العالم ولكن هل تكفي الادانة بالطبع لا، ولكن في
رأيي ان موقف الادانة هو اكثر شرفا من عدمه قد لا توقف الادانة الشعور بالالم ولكن
الشعر غير قادر على تغيير اي شيء في حياة الشاعر نفسه فكيف سيغير في حياة الآخرين؟
قديما كان الشاعر يمشي خلف المحاربين في المعارك يحمسهم ولكنه لم يكن يحارب لماذا
يطلب من الشاعر اليوم ان يكون محاربا؟ في اعتقادي ان زمن الشعارات الكبيرة قد ولى
وكذلك المتاجرة بهموم وآلام الآخرين.
المشهد الثقافي
كيف ترين المشهد الثقافي العربي بكل تناقضاته والى اين تسير الامور؟
- بصراحة ليس لي ادنى علاقة بالوسط الثقافي في لبنان، ولا في اي بلد عربي آخر، ولكن
تجمعني صداقة انسانية بعدد من المثقفين وعلاقتي بسعدية مفرح ليس لها علاقة بكوننا
شاعرتين فحين نجتمع نتحدث في امور عامة ليس من بينها الشعر او ما يشغلها في كتابة
القصيدة او يشغلني، ففي اعتقادي ان المثقف العربي لعب دورا كبيرا في ذلك السواد
الذي يلفنا لأنه يمتلك ازدواجية عالية ولديه القدرة على ارتكاب كل الاخطاء التي
يكتب عنها في الواقع وما حدث للمثقف اثناء الحرب الاميركية على العراق يصيبنا
بالاحباط، حيث ظهرت فجأة مجموعة من المثقفين تساند نظام صدام وكذلك مجموعة اخرى
تساند اميركا.. اذا كان المثقف العربي يقف مثل هذين الموقفين اذن ما موقف المواطن
العربي البسيط؟ المثقف العربي غير قادر على رؤية الخطأ في كلا الطرفين.. كيف اذن
سألوم رجل الشارع الذي يقول ان اميركا هي الشيطان او اميركا هي المخلص اذا كان
المثقف يقول الكلام نفسه، مما يؤكد ان وعي المثقف العربي لم يتجاوز وعي رجل الشارع
العادي.. هل هو كذلك لأنه يريد ان يرضي رجل الشارع، اذا كان روائيا او شاعرا او
كاتبا من باب محافظته على نجوميته او على نسبة مبيعاته من الكتب، هل من المنطق ان
ارضي رجل الشارع واذهب معه الى حيث يريد فقط من اجل تلك الغاية، هناك حالة من
'الراديكالية' تتحكم في الشارع العربي، انا شخصيا ليس لدي ادنى مشكلة مع الدين وارى
في كثير من عاداتنا وتقاليدنا الكثير من الجماليات ولكن اذا كان هناك اي تطرف ديني
او غير ديني ينبغي الا انجر اليه كمثقف واسير وراء رجل الشارع، بالطبع هناك دائما
استثناءات ولكن بصورة عامة يبدو لي الواقع الثقافي مذبذبا وغير مستقر.
الانتماءات والأمكنة
والدتك عراقية ووالدك لبناني وعشت في فرنسا واسبانيا وكذلك في القاهرة وبيروت وانت
حاليا في الكويت، ماذا منحك هذا التنوع وهذا التمازج في الاماكن وفي الانتماءات؟
من الايجابيات انه اثرى لدي الجانب المعرفي والروحي والثقافي ولكن هناك جوانب سلبية
لهذا الخليط من الاشياء فمثلا انا تربيت في جو قومي من خلال والدي الذي يعشق
عبدالناصر، بالنسبة إلي لست مع مشروع عبدالناصر ولكن عبدالناصر كشخص اجله كثيرا
يمكن انا قومية اكثر من الجيل الذي سبقني، بالنسبة إلي الانسان العربي هو المفضل
على الاخر من دون نقاش مع انني انسانية جدا وامضيت عشر سنوات من عمري في باريس هناك
جزء مني ينتمي الى تلك المدينة، والى لغتها وحضارتها وهناك جزء اخر مني ينتمي الى
مصر لانني عشت فيها عشر سنوات اخرى بحكم دراستي هذا التداخل في اختلاف الجنسيات
والاماكن قد لا تتقبله بعض المجتمعات التي لا ترى في التعدد او التنوع أي مميزات.
القصيدة واللوحة
هل هناك اي تشابه في المضامين بين القصيدة واللوحة عندك؟
- لوحتي ابسط بكثير من قصيدتي واعتبر الرسم هو الجانب الاخر من روحي.
ولكن في رسومك بصمة مميزة؟
- هذا هو الشي الغريب الذي الاحظه ويلفت نظر كثيرين غيري سواء رسمت بقلم رصاص او
بألوان مائية او بأي وسيلة اخرى تظل ملامح الصورة التي ارسمها كما هي.
الألم والإبداع
هناك ارتباط شبه دائم بين الالم والابداع هل المطلوب ان نتألم حتى نبدع، ولماذا لا
نحاول تجاوز هذا الواقع؟
هذا السؤال يؤرقني ولكن حين ارسم مهما كانت حالتي لا افكر فيها واحاول تجاوزها من
خلال اللوحة التي قد يستغرق مني رسمها عدة ساعات، تأخذني اللوحة الى عالمها لان في
الرسم نوعا من الحرفية والعمل الحرفي يحتاج الى تركيز على حركة الاصابع.. اما
اشكالية الكتابة فهي تجمع الحواس كلها والكلمات لها قدرة سحرية لانها مرتبطة لدينا
بمعانيها وبدلالاتها اذ يكفي ان يقول الواحد منا كلمة قتل يكون كانه قتل بالفعل،
الكلمة تلزمك بالفعل هناك معنى ميتافيزيقي للكلمة وانت حين تكتبين عن شيء مثل الألم
فانك تتألمين بالفعل والألم في الكتابة مثل الألم في الواقع اي انه صادق.. هناك
مصائب في التاريخ حين نقرأ عنها نتألم ونحس بها اكثر مما لو وقفنا امام لوحة تحكي
عن المصيبة نفسها وبالنسبة إلى الشعراء فقد ارتبطت صورة الشاعر في اذهاننا بالألم
مثل صورة السياب او لوركا وغيرهما الكثير قد يكون هناك شاعر للفرح ولكننا لا نصدقه
فالشاعر دائما هو الانسان الخافت والحزين والشاحب.
في مرحلة ما من اعمارنا نتصور أننا سنغير العالم ولكن سرعان ما نصاب بقرحة في
المعدة.. ماذا عن رياح التغيير لديك؟
انا اعاني ضغطا مرتفعا ومن الطبيعي ان امر في تلك المرحلة، كنت اعتقد في زمن ما ان
فراشة يمكن ان تغير السماء.. وزهرة يمكن ان تغير الارض. ولكن في يوم ما صحوت من
نومي لاجد نفسي في مكان اخر أي انني قفزت بسرعة من مكان الى مكان لتتغير مفاهيمي،
هناك مرحلة التحول تأتي بعد مرحلة طفولة الروح، رامبو قال ان الكتابة محاولة لتجميل
وجه الحياة كنت اؤمن بهذا القول بجنون لكنني تجاوزت هذه الحالة بعد ما تجاوزت سن
الثلاثين هناك شيء ما ينكسر داخلنا بعد هذه السن هناك شيء ما في الزمن يجعلك تدركين
ان العدم مساحته اكبر.. العالم يتحلل ويفقد اتزانه او يفقد صوابه ويتحول الى سلعة
رهيبة كل شيء فيه مطروح للبيع والشراء، نحن مجرد مجتمع استهلاكي والفضائيات اصبحت
ترتزق من موت البشر.
لماذا نكتب؟
هل تسألين نفسك لماذا اكتب او لماذا ارسم وهناك على امتداد التاريخ اسماء لا حصر
لها من العباقرة والفلاسفة والكتاب والشعراء والرسامين ماذا سنضيف نحن؟ هل سنجترح
المعجزات؟
يخطر في ذهني هذا السؤال كلما قرات رواية لماركيز او لغيره من الروائيين او لشاعر
مثل المتنبي ولكن في الوقت نفسه اسأل نفسي لو كنت موظفة عادية في مكان عمل ما فلن
اكون موظفة منجزة لأنني لا اجيد سوى كتابة الشعر.
|