|
في نصّها الشعري الجديد "كراكيب
الكلام" نتعرّف إلى شفافية الشاعرة سوزان عليوان نفسها، لكننا هذه المرة نحسّ بها
مغلّفة بالقسوة. والخطوط على الغلاف تحكي عن سوزان، كما يحكي عنها وجه الشخصية
البرتقالية المغمضة عينيها والتي أدارت وجهها للمدينة، لنوافذها وصحونها اللاقطة...
هذه المرة تغيّرت الشاعرة... قليلاً. حاولت أن تكتب بقسوة. ولأنها تعجز عن العنف،
فإنها تتخيّله، هو عنف متخيّل، عنف يظهر في "كراكيب الكلام" فحسب، الكلام الذي أصبح
حميمياً وتخفّف من أثقال العالم الخارجي. الكلام ما عاد طموحاً. أما الإحساس
بالخيبة، فليس سوى إدراك للواقع واعتراف بقسوته.
رسوم سوزان التي تعبّر عن
نصوصها وتظهر في موقعها الإلكتروني وعلى أغلفة عدد من كتبها هل تغيّرت أيضاً؟
سوزان قالت عنها: "لم أكن أريد أن ألجأ إلى رسومي في نصّ "كراكيب الكلام"، خصوصاً
أنها "طفلية" جداً بالنسبة إليه. فكرت في غلاف فارغ إلا من اسم الكتاب.لكنني رسمت،
رسمت كائناً ونوافذ مطفأة أنوارها أو مضاءة، كائن ترك شيئاً وراءه. وربما لم يترك
كل شيء".
لماذا لا يتوقّف المطر في نصك
الشعري "كراكيب الكلام"؟ استمرار انهمار المطر يحمل دلالات عدة ويمكن أن يكون
مرعباً أيضاً ككابوس...
المطر في النصّ ليست له دلالة واحدة محدّدة. هو في
الدرجة الأولى محرّض على التذكرّ وأداة للمحو أيضاً، كأنه الشيء ونقيضه. يدفعني إلى
التذكّر والنسيان في الوقت نفسه. يبني ويهدم. الذاكرة نفسها تعتمد على المطر كأن
هناك ما يجري في الخارج والداخل في الوقت نفسه. اختيار المطر جاء من قلب النص دون
أن أفكر في أنني أريد أن أكتب نصاً عن المطر. وأذكر جيداً أنني عندما بدأت كتابة
النصّ، بدأت مباشرة بمقطع: "مَن كسر مصباح القمر؟/ أي مطر هذا الذي يطفئ النجوم
بحذائه؟ " الذي يفتتح النص.
كان يمكن أن أختار موضوعات أخرى
لكنني وجدت نفسي أكتب
بهذا الاتجاه الذي يقودني إليه المطر. وفعل الكتابة في نص طويل يتحكّم به نفَس واحد
ويشبه فعل المطر إلى حد كبير. لا أستطيع أن أفصل المطر عن روح هذا النص.
للمرة الأولى ألمس في نصّك قسوة
أو رغبة في القسوة...
كلمة قسوة ملائمة جداً هنا.
الفنجان، الذي أعتبر أنه يوحي الدفء، إذا كُسر تصبح حافاته حادة. حالة الانكسار
والقسوة تفرض نفسها عليك وعلى الآخر. وترد في النص جملة: "مثلما ينكسر فنجان أو
إنسان". حتى الإنسان إذا انكسر، تظهر قسوته رغماً عنه. فإذا انعكست عليه قسوة
العالم الخارجي التي ربما يختلف مصدرها وربما يكون المكان أو الزمان (اللحظة) أو
الآخر، يظهر رد الفعل الذي لا بد أن يكون قاسياً. وقسوة ردّ الفعل هنا ما كانت بقدر
قسوة الفعل. وهو ما ظهر شعوراً بالانكسار.
العالم انتصر. أنا خسرت المعركة
منذ بداية النص. وقبلت بأنني خسرتها. حين تصبّ عليك عدائية من الطرف الآخر وأنت لست
عدائية، رد فعلك يكون أن تتلبسي قسوة هذا الآخر. تخيّلي أنك مددت وردة، فردّت إليك
سكيناً. وفكرة النص تقوم على عدم القدرة على تلبّس قسوة الآخر وتخيّلها، وربما هي
أيضاً الخسارة بشرف أو الرغبة في الخسارة بشرف. أن تكوني قد خسرت لكن ألا تكون
الخسارة على حساب ذاتك، ألا تكوني قد خسرت ذاتك. وهناك طبعاً تخلّ في الدرجة الأولى
أو أيضاً رغبة في التخلّي.
تخفت الأشياء، تصير شاحبة، تنحلّ،
تصبح هشّة، لكن هل تضيع تماماً؟ لا أعرف. هذا ما يمكن أن يحدّده النص.
أعترف بأنني فوجئت بجوّ الرعب
في النص رغم شفافية المعنى التي تعكسها شفافيتك ورومنسية المفردات المختارة. كما
أرى هنا أنك تسلّلت إلى مكان جديد بالنسبة إليك، إلى عالمك الشخصي جداً.
يسيطر جو كابوس في النص أو ما
يشبه الكابوس. إذا واجهت الداخل بالخارج يظهر الصدام بينهما. وينمو هذا الجو. لا
أريد طبعاً أن أسقط دلالات خارجية على النص كي لا أفسد القلق فيه. ما زلت أعتقد بأن
الخارج يؤثر فينا، لكنني للمرة الأولى أجرؤ على اعتبار الجرح الشخصي جرحاًً خارجياً
أيضاً. وهذا ما أعتبره في كتابتي تغييراً جذرياً. هذا النص لم أكتبه بهدف أن أنشره
رغم أنني كتبته خلال عام ونصف العام. وظللت حتى اللحظة الأخيرة مترددة في نشره. ثم
قررت أن أصدره في شكل مخطوطة محدودة جداً، وهذا ما قمت به.
ما الذي تغيّر في نظرتك إلى
الشعر وإلى العالم؟ وكيف اكتشفت الكتابة عن نفسك؟
منذ عامين تقريباً، اتضح لي في ما
يشبه الاقتناع (وهذا قابل للتغيرّ) أن الشعر لم يعد يتعدّى الموقف الشخصي من
العالم. وكنت، وربما ما زلت قليلاً، مقتنعة بأن الشعر يجب أن يكون فعالاً ومؤثراً
في العالم. في عالمنا الآن على الشعر أن يتشبّث بنفسه بأظفاره وأسنانه لأنه غير
قادر على تغيير أي شيء. ويجب أن يسعى أيضاً إلى ألا يتغيّر. أصبحت أرى أن الرواية
والفيلم وأشكال الفنون كلّها أكثر من الشعر قدرة على التعبير. الشعر أصبح هشاً
لأسباب عديدة أبرزها طبيعته.
ما هو المكان الذي فقدت
الانتماء إليه وبالتالي الشعور بالأمان. وهل المدينة التي تظهر في نصك هي بيروت؟
يعنيني الانتماء إلى الذاكرة،
ذاكرة المكان. والمدينة ليست مدينة واحدة معينة وربما كان كانت مدينة واحدة. وربما
كان تعبير المدينة الأكثر قدرة على وصف الحالة والمكان، لكن ليس بالضرورة أن تكون
مدينة بمفهوم المدينة المكاني.
لا أعرف، لكنني أحسست بأن ثمة ما
أريد الخروج منه. هل هذه المدينة هي الذاكرة، هل هي العالم، الماضي، هل هي أنا؟ فقد
أحسست أحياناً بأنني أكتب عن الخروج من نفسي. نحن لا نملك الأشياء، هي تملكنا. وما
أستطيع فعله للخروج من هذا المأزق هو أن أتخلّى. في النص أيضاً عجز عن التخلّي، ليس
هناك تخلّ خالص.
هناك في الخارج أيضاً ما لا
نستطيع الانفصال عنه. ما حدث هو أنني صنعت موزاييك من المدن كلها التي عشت فيها.
مدينة صنعتها أنا لنفسي ثم أحببت أن أخرج منها وأهدمها. وهو ما أراه قاسياً جداً.
وما كنت أتوقّع أن أقوم بأمر كهذا، أن أتخلّى عن طفولتي وذكرياتي. لكنني وصلت فعلاً
إلى مرحلة أسقطت فيها كل الدلالات.
في نصوصك السابقة كنت أكثر
إيماناً بقدرة الشعر على تغيير العالم...
ركّزت خلال فترة طويلة من كتابتي على فكرة التعامل مع العالم بمنطق الطفولة.
لكن هناك صفحة تطوى، وهناك مرحلة جديد في حياتي وإن كنت لا أملك بعد أي تصوّر واضح
لها. لكنني أختبر خيبة أمل فظيعة. ربما كانت بذرتها موجودة فيّ من قبل، لكن للمرة
الأولى أجرؤ على أن أقول إنني حاولت وفشلت.
هذا ما انطلق منه نصي أيضاً وقد قلت، "فشلنا لكننا حاولنا". وما كنت غير مبالية ولم
ألقِ بتهمة القسوة على الآخرين.
هذا ما لا يأتي إلا بعد نضج معيّن. كنت في أعمالي السابقة أكتب محاولة تفريغ الشخصي
في أسئلة العام. كنت أحاول، فهذا شعر وربما وجده القارئ مملاً. الآن أحس بالمسافة
التي كانت موجودة بيني وبين ما كتبته، كأنني كتبت من وراء نافذة، أنظر من خلالها
إلى العام وأكتب عنه. هذا النص ملتصق بي كما يلتصق الظفر باللحم. وليس هناك مسافة
بيني وبين أي شخص في العالم أو بيني وبين المطر. هذا ما أربطه بالنضج... أظن ذلك.
كشف لي هذا النص أنني في نصوصي الأخرى كنت مدّعية جداً، ذلك الادعاء الوجودي. لم
أكتب كلمة لست مقتنعة بها على المستوى الإنساني، لكن اقتناعي كان أكبر من قدرتي
واحتمالي. كنت مقتنعة بما قاله رامبو على سبيل المثال عن أن مهمة الشعر هي تجميل
وجه الحياة. الآن اقتنعت بأن الفرد إذا استطاع أن يمنع تشويه وجهه خلال هذه الحياة
ينتصر انتصاراً خرافياً.
أحسّ بأنك تنهين مرحلة أو
ربما تبدأين مرحلة جديدة...
ربما تلوح في نصّي هذا نهاية
مشروع كامل. لا أحس بأسف إذا وقفت هنا. بالنسبة إليّ أنا لم أخذل نفسي بل خذلتني
أمور كثيرة ولا أدعي أنني لم أخطئ بل أخطأت. تلك كانت رغبتي من الشعر في الأساس، أن
أصل إلى مكان المكاشفة والوضوح. كنت أحلم بأن يكون في الشعر انتصار للمعنى وليس لي.
ولكن بما أن هذا المشروع فشل، فشلت أنا معه.
فكرت في أن أبتعد عن الشعر
وأغادره. وصلت إلى مكان يتمّ فيه الكشف التام. وكنت دوماً أحلم بأن أصل إليه. وقد
حاولت أن أجبن وأتراجع لأنها كانت جميلة المنطقة التي كنت فيها، لكنني لم أعد
أستطيع أن أستعيدها. سأعتبرها صفحة وأطويها.
لماذا ترسمين؟ هل لتكمّلي
النصّ؟
رسومي تظهر في موقعي الإلكتروني
أكثر من ظهورها في كتبي. الرسم يمنحني شعوراً بالفرح في حين تصيبني الكتابة
بالكآبة. ولا أفكر عندما أرسم، أفكاري تفكر عني. لا مجال لإطلاق النظريات في الرسم.
أرسم مثلما يرسم الأطفال أو أي شخص لا علاقة له بالرسم. وفي الوقت نفسه أحس بأن
أحداً لا يستطيع أن يعبّر عن كتابتي كما أعبر عنها من خلال رسومي. أهتمّ بتفاصيل
الكتاب وإصداره. حتى الورق أهتمّ به والشكل الذي أريد أن أقدّم الكتاب من خلاله
لشخص ما. الكتاب بالنسبة إليّ حيّ. والطبعة الخاصة تدلّ على أنني أقوم بعملي بيدي
وأنني وحدي مسؤولة عنه.
فكتابي هو كلّ ما أملكه. هذا ما
أعتبر أنني صنعته في حياتي، لا أملك شيئاً آخر.
كنت أمشي في شوارع وأكتب الشعر
على الجدران. لم أتكبّر يوماً على الشعر أو المتلقي الذي لا أفاجأ إذا لم يفهمني أو
إذا فهمني. هذا نص يصل إلى من يمكن أن يصل إليه. وهناك مَن قال لي إن شعري بسيط
جداً وإن أي أحد يمكن أن يفهمه. فهل هذا أمر سيئ؟ أعمل على لغتي وعلى نفسي في شكل
يسمح للأمّي بأن يفهمني. فإذا كنت لا تريدين أن يُفهم شعرك، فلماذا تكتبينه خصوصاً
أن عدد قرائه قد تقلّص. الشعر في الدرجة الأولى هو ما نعيشه، وفي الدرجة الثانية هو
ما نكتبه. هناك كثير من الشعر في حياتنا دون أن نسمّى كلّنا بالضرورة شعراء. |