|
هي... النزف والعزف... النزف من الروح وعنها... بدفقات شعرية شديدة الجنوح...
افقياً، والتألق... رأسياً... في سماءات الافصاح.
وهي... العزف عن قانون المألوف والاسهاب المربك والمرتبك، على اوتار المضمون
المخبوء في طين المفردة...
هي... الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان، تحاوركم هنا عبر حوارنا معها:
شيئاً فشيئاً تقتربين من القارئ الخليجي... عبر الحضور الصحفي، لكن كتبك لم
تصل الى هذا القارئ حتى الآن، ما السبب؟
الأمر ذاته ينطبق على القارئ في لبنان او في مصر او في المغرب او في اي بلد عربي
آخر، وليس على القارئ الخليجي وحده، والسبب هو اني اطبع مجموعاتي الشعرية بنفسي،
على نفقتي الخاصة دون التواطؤ مع دار نشر حكومية او خاصة رفضاً للمؤسسة وللناشر
التاجر. وقد حاول بعض الاصدقاء مؤخراً اقناعي بإعادة النظر في هذه المسألة وطباعة
اعمالي عبر دار نشر توفر التوزيع الواسع النطاق لإيصال هذه الكتب الصغيرة الى
الناس، لكنني وبعد تردد طويل وعميق تراجعت عن الفكرة وحسمت الامر بشكلٍ نهائي لصالح
النشر الخاص رغم نطاقه المحدود. فالمؤسسات معادية للشعر وللإنسان بطبيعتها (رغم كل
المشاريع والشعارات). والناشر الخاص يسرق الشاعر والقارئ معاً ويهين العمل الادبي
بمشروع رأسمالي بحت (مهما ادعى عكس ذلك). اعلم اني اظلم نصي وقارئي بعض الشيء بهذا
الموقف، لكن هذا الظلم هو، الوسيلة الوحيدة للحفاظ على كرامتهما وحريتهما. الغاية
لا تبرر الوسيلة في شرعي، ولقد قمت منذ ما يقرب السنتين بنشر مجموعاتي الشعرية في
موقعي، وبإمكان اي شخص يبحث عنها قراءتها وطباعتها من الموق. ومنذ عشر سنوات
تقريباً، وانا اهدي مجموعاتي للناس ايماناً مني بأن الشعر يهدى ولا يباع، مكتبات
قليلة في لبنان والقاهرة (ومنها مكتبة الكترونية على الشبكة) تمتلك نسخاً للبيع من
دواويني الاخيرة، وسعرها في هذه المكتبات هو ثمن طباعتها فقط، الكتب تصل ببطء
وصعوبة ربما. لكنها تصل بيضاء صافية دون ان تلوثها يد مؤسسة ما او اصابع ناشر لص،
وهذا يكفيها ويكفيني شرفاً. انا لا ابحث عن التوزيع العالي او عن الشهرة، بل انني
اجتنبهما باستمرار خشية من خراب روحي وصني، اؤمن في الجوهر ان القصيدة هي نقطة
التقائي بالقارئ، سواء جاءت في احدى مجموعاتي الشعرية او في صحيفة مطبوعة، وانه على
كل منا (القارئ وانا) ان يقطع نصف مسافة الطريق كي نلتقي.
على الانسان الحالم بالمعنى (سواء كان مؤلفاً او متلقياً) ان يبحث عنه بدأب في عالم
همّش المعاني وغيّبها. لم يعد المعنى قلب العالم، تبعثر في الهوامش، وهذه الهوامش
هي مساحاتنا الوحيدة كما ان الغياب هو الشكل الارقى لحضورنا.
كيف وجدت القارئ الخليجي؟
انا بطبيعتي ضد التعميم، لا اتعامل مع الناس ككتلة ابداً وانما كأفراد دائماً،
استطيع مثلاً ان احدثك عن الفجر البعيد... احد قرائي الاعزاء من السعودية وهو يتابع
تجربتي منذ ان كنت اكتب في "بريد القراء" في بعض المجلات العربية في بداية
التسعينات. وصلتني راسلته الاولى منذ عامين تقريباً عبر موقعي الالكتروني، كتب لي
يخبرني انه يبحث عني منذ سنوات، منذ ان قرأ لي قصيدة عن "الليل العادل في السواد"،
لا يمكنك ان تتصور كم فرحت برسالته وبه في ذلك اليوم، ولقد اصبح من اقرب الصدقائي
وبيننا تواصل نبيل نادر، حتى انه فاجأني في امسية الكويت بباقة ورد رائعة وبطاقة
بديعة تتضمن كلمات القصيدة القديمة "عدل" التي عرّفته بشعري، ولولا مرض السيدة
والدته، شفافها الله وعافاها، لكان اول حضور الامسية، اتعامل مع قارئي دائماً على
انه فرد، وعلى انه اخ لي وصديق لنصي، وقد وجدت في "الفجر البعيد" "كما في غيره من
القراء والقارئات من الخليج" انساناً جميلاً يحب الشعر الحر والاطفال والفراشات
ويحلم بالحياة وبالحب بين البشر، وجدت في هؤلاء الاصدقاء والاخوة اشباه ألمي واشقاء
حلمي.
كيف وجدك وكيف تعامل معك؟
تماماً كما يتعامل معي اي قارئ، اي انسان، لست من كوكت آخر، ولا اهل الخليج من كوكب
آخر. قرائي واصدقائي من الخليج يتعاملون معي بكل محبة وبساطة ورقي، يتعاملون معي
على اني اختهم، ابنتهم، واحدة من اهلهم.
تقرأين الشعر الشعبي الخليجي ولا تعلقين عليه كتابة، لماذا؟
ببساطة، لأني لم اقرأ سوى بعض تجارب الشعر الشعبي الخليجي التي استوقفت روحي ولأني
ايضاً لستُ مؤهلة لكتابة عن هذا الشعر او نقده، اقرأ منذ سنوات بعيدة لبعض شعراء
العامية الخليجية: بدر بن عبد المحسن، فايق عبد الجليل، هتان، طلال حمزة، خلف
الحربي (مع حفظ الالقاب) وغيرهم من الارواح الجميلة، أقرأ لهم كهاوية ومتذوقة
لقصائدهم.
نشرت مؤخراً في صفحتي "مسودة بيضاء" في مجلة "فواصل" قصيدة بالعامية الخليجية، وهي
ليست اول ما اكتبه بالعامية (لي محاولات سابقة باللهجة الخليجية واللهجة المصرية)،
لكنها اول قصيدة اجرأ على نشرها، علاقتي حميمة بهذه اللهجة لقربها الشديد من لهجة
السيدة لقربها الشديد من لهجة السيدة والدتي، فأهلها من عرب الناصرية في جنوب
العراق، ورغم اني لا اعرف الكثير عنهم الا انهم اورثوا دمي الكثير من طباع البداوة
وتفاصيلها.
ما الفروقات التي تشاهدينها وتلمسينها بين هموم الشاعر في بلدك لبنان وهموم
الشاعر في الخليج؟
همّ الشاعر الحقيقي واحد في كل مكان من العالم، وهموم الذين يدّعون الشعر تتطابق
ايضاً وهم موجودون في لبنان كما في الخليج وغيرهما من الاقطار العربية.
الشاعر الحقيقي مهموم بالكتابة وبالانسان، بأسئلة الشعر والوجود، اما من يدعي الشعر
فهدفه تكريس الذات وبريقها وكل الطرق والوسائل مباحة في شرعه، لست مع تقسيم الشعراء
وفقاً للجغرافيا وانما اقسمهم وفقاً لأرواحهم (ارواح قوية وارواح ضعيفة).
الشام هي المركز الثقافي والبقية اطراف... هذا قول... فول آخر: القاهرة هي المركز
والبقية اطراف... ما رأيك؟
انا ضد هذه المركزية للبعض وضد تهميش البقية، ما من شك ان بيروت والقاهرة لعبتا
دوراً هاماً في مراحل سابقة من القرن الماضي كمدن ثقافية عربية، لكن هذا كله كان في
الماضي، ما من مدينة ثقافية عربية اليوم، بل ما من ثقافة عربية اصلاً، الثقافة (في
العالم عموماً وليس في العالم العربي وحده) لم تعد ثقافة جماعة، بل ثقافة فرد، وهذا
الفرد ليس محكوماً بمكانه، عن نفسي، ثقافتي تكوّنت في القاهرة، بحكم اقامتي الطويلة
فيها ودراستي هناك، وكنت اشعر في التسعينات ان القاهرة قلب الثقافة العربية، لكنها
بعد جيل التسعينات (جيلي الشعري) لم تقدم جديداً، كذلك بيروت التي لم يعد يشغلها
سوى رأي ادونيس فيها! لقد وصلت الثقافة العربية الى مرحلة متقدمة من الاضمحلال
والضعف وتساوت قلوبها بهوامشها.
الشاعرة في الخليج كيف ترينها... الشاعرة في العالم، ماذا تلمسين فيها؟
باستثناء قيسوافا شيمبورسكا، ما من شاعرة اليوم تكتب لحظة العالم وتمسيح بقصيدتها
دمعة الانسان، الشاعرة العربية، بشكلٍ عام، اسيرة همها الانثوي، لا تتجاوز مأزقها
مع الرجل وصراعها ضده،وهي بالتالي لا تكتب سوى خواطرها وهمومها الخاصة، هي بعيدة عن
الشعر لأنها لا تسعى سوى الى خلاصها الفردي كأنثى وليس كإنسانة وكفنانة، بالنسبة
للشاعرة في الجلي، لا يحق لي تقييم تجربتها وارى في ذلك تعدياً لا ابيحه لنفسي.
- الرواية حلم الكاتبة... هل هي حلمك؟
لا، هي متعتي الاعمق في القراءة، لكني لا احلم بكتابتها، منذ فترة، تكونت لديّ فكرة
رواية والّحت عليّ في بعض اللحظات، لكني هربت منها، للرواية شروط فنية لا تتحقق
بمجرد الرغبة في كتابة رواية، كما اني منحازة للشعر، اذ ارى انه اشد اشكال الكتابة
صفاء.
أمسيتك الوحيدة في الكويت، ماذا بقي منها في ذاكرتك؟
هلالها، نجومها، وجوه حضورها... لقد كانت ليلة من اجمل ليالي عمري.
موقعك الالكتروني، ماذا حقق لك؟
الكثير من الحرية والصداقات الجميلة، موقعي هو وطني الصغير في الفضاء الافتراضي، هو
الخيط الشفيف الذي يصلني بقارئي اينما كنت، ولقد كتبته في احدى نصوص مجموعتي
الاخيرة "مصباح كفيف":
"لأن البياض مربك كوطن عار، سأبني في هذه البقعة من الفراغ بيتاً صغيراً من خشب
ملون، نافذتاه تحدقان في وجوه خلف الزجاج، بابه يبتسم، ورغم انه لا شمس هنا ولا
امطار، سأجعل من سقفه قبعة تعشش بين قشاتها عصافير نزفت على الاسلاك اجنحتها،
بلمسة، سأمنح الخلفية حديقة بلا سياج وانثر الكلمات زهوراً تتفتح بلمسة، لن ازحم
بالاثاث منزلي، سأغادر الاشياء واشباحها الى حيث لا ظلال، سعادتي في ان اقيم خارج
المكان".
التكثيف الذي تعتمدينه في الشعر... هل استطاع حمل كل همومك؟
ما من كتابة تحتمل كل هموم الانسان، اللغة بطبيعتها عاجزة عن ذلك، اما التكثيف
الشعري في تجربتي، فأرى انه اختزل الكثير من همومي في الكتابة والحياة ليخلص ويخلص
البكاء الطويل بدموع قليلة.
الرسم، هل هو جزء من شعرك او مكمّل له؟
الشعر احياناً يتجاوز حدود الكلمات، يدخل في مساحات اخرى ويتشكل من خلالها، رسمي
هوشعري ذاته على هيئة خطوط والوان، رسوماتي قصائد استبدلت فراشة الشعر بالفرشاة.
كيف حال اصابعك؟
بألف خير والحمد لله ما دامت قادرة على اشعال شمعة، ولو صغيرة وخافتة ومرتعشة في
عالم يزداد ظلاماً وظلماً.
|