الإنترنت ازدحم بمدّعي الشعر

17/5/2004 "حوار أجراه: محمد حجيري - جريدة "البلد

 

سوزان عليوان شاعرة قصيدتها مميزة ورسومها جميلة وتكتب بلغة الطفولة. معها هذا الحوار.


في "لنتخيل المشهد" صلة وثيقة بكتبك السابقة وليس هناك قطيعة في الشكل او المضمون.
أؤمن بأن الكتابة مشروع تأسيس، وبالتالي فكل قصيدة اكتبها مبنية بشكلٍ او بآخر على ما سبق وكتبته، وتمهّد في الوقت ذاته لقصيدة قادمة. مشروع الكتابة لي، يشبه تشييد بيت صغير حيث لا بد من ارضية وجدران وسقف وباب ونوافذ. في "لنتخيل المشهد"، اشعر انني كنت اصنع نوافذ بيتي من خشب الورد والزجاج الملوّن لأطلّ عبرها على العالم: على ذاتي والآخر والحلم والحب والعدم. كأنما الحياة، بحنانها وقسوتها، بثنائية الامل والالم، حديقة ورد واشواك امام بيتي. ان مددت يدي قليلاً خارج النافذة، قطفت وردة وقطفني جرح. ثمة دهشة ومتعة في الكتابة استعدتهما في هذه المجموعة الشعرية وكأن قوس القزح مسّني.
يمكننا ايضاً ان ننظر الى ترابط مجموعاتي الشعرية من زاوية اخرى: ألا يكتب الشاعر، طوال حياته، قصيدة واحدة في جميع نصوصه/ تمارينه حالماً بالوصول الى قصيدة عمره؟
اكتب من داخلي، من اعمق اعماق روحي ووعيي، وبالتالي فكل ما اكتبه يشبهني، يشبه احدى ذواتي المتعددة، ويحمل شيئاً من نظرتي الى الوجود.
في "لنتخيل المشهد" تحديداً، اشعر انني اشبه نفسي اكثر من اية كتابة سابقة، اذ لم اكن اختبئ بين الجدران المغلقة او تحت زاوية من السقف وانما كنت اتنقل بين النوافذ المفتوحة والمواربة والمكسورة.


الحياة والكتابة


ما سبب كتابتك هذا الديوان بدهشة؟ هل يتعلق الامر بطقس الكتابة او بطقس داخلي باطني؟
الحياة هي الاصل والكتابة انعكاسها. لذا، اعتقد ان دهشة الروح على المستوى الانساني هي النبع والشعر مصبّها. البحر ازرق لأنه مرآة السماء. اللؤلؤة ان اضاءت في القاع، فلا بد ان اختها النجمة تضحك في الاعالي. الاسماك تبكي في الاعماق لأن ارواحنا غيوم تنهمر بنا عليها. بفضل السماء والنجوم واسراب الغيم، بمحاذاة هذا الجوهر، ترفرف الفراشات شعراً في الحبر والورق.


هل تحبين العزلة؟
احب الناس اكثر، لتحب الانسان كشاعر، لتكون جديراً بهذا الحب العظيم في نصك، لا بد من ان تحب الناس في الحياة كإنسان. فمثلما ان الآخر جحيمنا، هو ايضاً جنتنا.
هل الوردة اجمل في حديقتها وسط شبيهاتها؟ ام وحيدة تحت غطاء من زجاج؟ الا تفقد الفراشة معنى وجودها ويه مثبّتة على لوحة مخمل بدبوس بدلاً من الرفرفة، حرةً طليقة، في الهواء والنور؟
ألا تبقى دموع الغيمة محبوسة خانقة حتى تنهمر على الاشجار والازهار واجنحة العصافير؟ شرط وجودنا ان نتواصل مع لاآخر. غايتنا ان نصل اليه. لا انكر ان صدري يضيق بي احياناً شأن كل البشر واشعر بحاجة الى السكون والبعد عن كل ما في العالم من ضجيج. في مثل هذه الحالة، أتعامل مع عزلتي على انها آخر أرتمي في حضنه حيث الصمت لغة اخرى. على العزلة الاّ تفقد وجهها الانساني لتكون قادرة على احتوائنا.


طـفـولـة


لماذا دائماً عندك طفولة في كتابك الجديد وفي كتبك السابقة؟
ربما لأنني ما زلت اتعامل مع الحياة والكتابة على انني تلك الطفلة التي تحلم بفراشة تقبّل خد القمر فتضيء ليل العالم.


لكن في مرات يكون الطفل شريراً، اتذكر مشهداً في رواية لكونديرا الاطفال يقتلون الغراب، كان كونديرا يريد ان يفرغ البراءة من مضمونها؟
لم اكن في يوم طفلة شريرة، بل ان مأساة الغراب تحديداً تطاردني كشبح قاتم منذ طفولتي! اشفق عليه عميقاً، هذا الغريب ذو المعطف الغامق، واتمنى لو انه بإمكاني ان ألوّن ريشه الاسود لئلا يشعر بالغربة بين الطيور الاخرى. البراءة قيمة عظيمة في الحياة وهي لا تتعارض مع الوعي والمعرفة في اعتقادي. اسعى لتكريس المعنى وليس الى هدمه، فالعالم يهدم المعاني باستمرار ومهمة الشاعر ان يلملم بقايا المعنى وان يرممها ليعيد الى الانسان شيئاً من شرفه المفقود وغاية وجوده.


والدتك عراقية؟ هل كانت على علاقة بالشعر؟
كانت والدتي تقرأ الشعر وتعي قيمته رغم انها لم تكمل تعليمها وما ادعت يوماً الثقافة. كانت في بيتنا خزانة خشبية تضع فيها دواوين نزار قباني واذكر انني ذات يوم فتحت ذلك الدرج واخرجت منه تلك الكتب الصغيرة وبدأت اقرأ. ما زلت اذكر النجوم الملوّنة التي تطايرت من بين الاوراق لتستقر في مكان عميق من روحي ذلك كان لقائي الاول بالشعر: طفلة تفتح درجاً من خشب فتاغتها الاكوان المضيئة كما في حكايات الاطفال.
أدين لوالدتي بالكثير، فهي التي عرّفتني بالشعر وهي التي كانت تشتري لي الكتب مع اللعب وهي التي اصرت في طفولتي، اذ كنا نعيش في الغرب، على ان تكون اللغة العربية لغتي الام. لولا جهد والدتي في ان اتقن لغتي واتعمق في ثقافتها، لاحتجت اليوم الى مترجم ينقل اليّ اسئلتك وينقل اليك اجاباتي. لا يمكنني للحظة ان اتخيل احتمال ذاتي وحياتي لولا الدور العظيم الذي لعبته امي.


الهـايـكو


الى اي مدى تأثرت بشعر الهايكو؟
الى حد عميق، فالهايكو اصفى الشعر واكثره قدرة على اختزال الافكار والمعاني الكبيرة في كلمات قليلة بسيطة. الهايكو يختصر الحديقة في زهرة والشمس في شعاع ضوء والسماء والحلم والحرية في ريشة من جناح عصفور! الهايكو عالم من السحر، حيث بإمكان الشمعة الواحدة، النحيلة الشاحبة، اضاءة الكون الشاسع.


كيف عشت بين بيروت والقاهرة؟
عشت حياتي بين اكثر من وطن/ غربة. الاندلس في طفولتي المبكرة، ثم باريس في مراهقتي، ثم القاهرة في مرحلة الدراسة الجامعية، ثم بيروت مدينتي الام/اليتم. كل هذه الاماكن غربة وكلها اوطاني في الوقت نفسه. بين الوطن والغربة خيط رفيع يقطعه اكتشاف الانسان لخرافة المكان وطناً وغربة. الآخر هو الوطن، وهو الغربة ايضاً. اكتشفت ذلك مبكراً، فلم اعد اهرب من غربتي او ابحث عن وطني في المكان وانما في قلوب البشر، حيث غربتي واوطاني.
غادرت القاهرة قبل سنوات وعدت للاقامة في بيروت بعد غياب طويل يقارب العشرين عاماً، لكن القاهرة لم ولن تغادرني. ففي تلك المدينة التي ادين اليها بالكثير كإنسانة وكشاعرة، لي ألف وطن.


كيف علاقتك بالشعر؟
يقول رامبو في "رسالة الرائي": "الشعراء اخوة". يقول ايضاً في الرسالة ذاتها: "الشاعر مسؤول عن الانسانية". صداقات جميلة وراقية تربطني ببعض الشعراء والمبدعين (لا يتجاوزون عدد اصابع اليدين)، وان كانت اكثر صداقاتي عمقاً وحميمية من خارج الوسط الثقافي. لا يهمني في الصداقة ان يكون الآخر شاعراً. الاساسي انت يكون انساناً. قليلون هم الشعراء الذين لم تتضخم ذواتهم الى حد فقدان الشرط الانساني. الوعي الزائف افسد العديد من الارواح. بصراحة، اشعر بالراحة اكثر في التواصل مع البسطاء، وان اقتصر التواصل احياناً على نظرة او ابتسامة عابرة في الملامح، مقيمة في الروح والذاكرة، نادل المقهى، بائعة الورد، كلب الشارع الاعرج يشبهونني ويستحقون محبتي وصداقتي اكثر من اغلبية الشعراء والمثقفين بذواتهم المغرورة، المزدوجة، المقنعة.


الإنترنت والشلل


كيف تجدين علاقة الشعر بالانترنت؟
مما لا شك فيه ان هذا الفضاء الافتراضي (الانترنت) اتاح لنا فرصة التواصل مع الآخرين، سواء كانوا مبدعين او اشخاصاً مهتمين بالابداع، وذلك من خلال النص المنشور في موقع او العلاقة الانسانية عبر المراسلة الالكترونية. هو فضاء الغى المسافات والحواجز، نسيج عثرنا بين خيوطه على امكنتنا الاخرى. عن نفسي، موقعي مد جسوراً عديدة بين الناس وبين تجربتي. كما انه منحني فرصة تعريف زائريه بشعراء آخرين احب تجاربهم، كالشاعر السوري الراحل رياض الصالح حسين والشاعر المصي عماد ابو صالح الذين اهديتهما موقعين يضمان اعمالهما. لكنني بدأت ألاحظ مؤخراً ان هذا الفضاء الحر بطبيعته ازدحم بمدعي الشعر وبشلل المثقفين الذين هربنا منهم الى الانترنت! كان الفضاء الافتراضي اجمل واصفى واكثر اتساعاً حين كان هامشاً لا يعرفه الكثيرون. الآن اصبح مركزاً، وبالتالي فقد الكثير من نقائه. شأنه شأن اي فضاء يتم اكتشافه واتلافه. لم اعد اتفاعل مع الانترنت كما في السابق. اصبحت ارى هذا الفضاء الشاسع على النحو التالي: العديد من مواقع الشعراء الشخصية، من المجلات الادبية الالكترونية، من المنتديات الثقافية التي تضم مئات الاعضاء وآلاف المشاركات... وفي المقابل القليل جداً من الشعر والابداع.

 

هي:
وُلِدتْ في 28-9-1974 في بيروت، من اب لبناني وام عراقية الاصل. بسبب الحرب في وطنها، صرفت سنوات طفولتها ومراهقتها بين الاندلس وباريس والقاهرة. تخرجت عام 1997 من كلية الصحافة والاعلام من الجامعة الاميركية في القاهرة.
صدر لها (في طبعات خاصة ومحدودة):
عصفور المقهى 1994
مخبأ الملائكة 1995
لا أشبه احداً 1996
شمس مؤقتة 1998
ما من يد 1999
كائن اسمه الحب 2001
مصباح كفيف 2002
لنتخيل المشهد 2004