الشاعر هو صوت الناس كلما ابتلع الصمت كلامهم

(حوار أجراه: أحمد المنشاوي - مجلة "اليقظة" (التاريخ مفقود

 

الجميل، الصديق، القريب، الحميم الذي لا تعرفه وما تعرفه من يراقبك بأمومة شجرة ينثر الانتظار عند قلبك ان هو في البحر ازرقه النبيل سكة صفا نايمة في عز النهر سرادقات الفرح المنصوبة في عين القمر
... وحيث لا وجه لملامح الحب
... ولا قرار جمهورياً لطفولة الفجر
...فلا أعرب كتابة واحد تؤكد قصيدة ان هي كلمات كالكلمات تلاحق الفراشات تنتهي عند وردة حمراء واكثر من ملهمة... "سوزان عليوان".
... وبالتوقيع: القادمون بكامل البهاء الى شرفة اشعارك!

لك نص يرسم خصوصيته بوضوح... فيه تعلق كبير بالانسان... احتفاء مدهش بالاشياء... حتى التفاصيل.. هل هو شعر الحياة... ام ثمة نص مفتوح على تجربة جديدة المجد فيها للوجود... لا... لنبوءة الشاعر؟!
أحلمُ باستمرار بكتابة شعر الحياة واسعى لذلك عبر قصيدتي اذ اؤمن بأن مهمة الشعر هي طرح سؤال الانسان وتمجيد الحب والحلم والحرية في عالم عديم القلب والضمير، فاقد المعنى، شعري مهمومت بمعاناة الكائن في غربة هذا الوجود: غربة الروح والمكان والزمان، غربتي وغربة الآخر الذي هو انا. ان يتألم الانسان في اقصى الارض، فهذا يعني انني اتألم ايضاً. ان تدهس دبابة زهرة بجنازيرها، فهذا يعني ان حديقتي نقصت زهرةً. ان تحترق فراشة عانقت النار من اجل النور، فهذا يعني ان جناحيّ اشتعلا معها وان بعض رمادها من لحمي ودمي. الانسانية لا تتجزأ، وبما ان الشعر هو صوتها، صرختها وانينها، فكل فقد في الدنيا يخصّني ويعنيني.
ليس الشاعر صاحب نبوءة، وانما هو حامل رسالة ومصباح، هو الرائعي الذي يبصر الجوهر ويمسح عنه الغبار بنور عينيه ودموعه... ليبصره الآخرون.
قصيدته احتفاء بهذا الجوهر، وليس برؤيته للجوهر.
في مجموعتي الشعرية الجديدة "لنتخيل المشهد"، تقول قصيدة بعنوان "حراس الحلم":
زارعو الورد وسط الخراب
حاملو المصابيح في ليل العميان
حاضنو العصافير الجريحة في راحاتهم
الى ان تستردها السماء
اجنحة او (لا قدّر الله) ارواحاً
الذين، بمناديل من لحمٍ ودم، يمسحون الدموع والعرق
عن خدود المهانين
والجباه الذليلة
حرّاس الحلم
بمفاتيح من ضوء
وسياج من ازهار.
العشّاق الذين
بأيدٍ بيضاء
ومطارق ملوّنة
يرمّمون الارض والارواح.
الشاعر احد هؤلاء الحراس، وليست قصيدته سوى يده الناصعة القابضة على مطرقة قزحية تجاهد، فيما العالم يتهدم وينهار، لترميم ما تبقّى من الانسان والحياة.


"الشاعر"، هذا التكوين المفعم بخصوصية الاغتراب عن الواقع المعاش... وبعيداً عن نمطية الصورة الذهنية للشاعر... كيف هو الشاعر اليوم في مواجهة هذا المد الاستهلاكي الكبير الذي يعلي من شأن كل شيء سوى... "المشاعر"؟!
الشاعر اليوم هو احد الكائنات المهمّشة في العالم. واحد من ملايين البشر الذين نبذتهم الدنيا الى حوافّ للعجز واليأس والعدم. وهو اول الهالكين في طوفان الاستهلاك الجارف لكل شيء! شأنه شأن بائع الورد المتجول وفي يده باقة ازهار صغيرة يرعاها بنور عينيه ويسقيها بدموعه، فيما رفوف المتاجر الضخمة الانيقة تزدحم بشتى انواع النباتات المهجّنة والازهار الاصطناعية! اراه اشبه بالشمعة التي يحاصرها الظلام من كل صوب، رغم ذلك تصرّ على تأدية واجبها: الاحتراق في سبيل النور، الشاعر هو صوت الناس كلما ابتلع الضجيج او الصمت كلامهم. هو المدافع الاخير عن الغيمة والعصفور والوردة على هذا الكوكب الاحمر. هو شعاع الضوء الذي يفتح العيون ان غفت وهو الابرة التي توقظ الضمائر ان غفلت. هو الشخص الذي يصنع من معاناته ومعاناة البشر معنى. لولا هذه المعاناة، لما كان الشعر جديراً بمعناه ولما استحق الشاعر شرف وجوده.


ثمة طفولة تطارد جدائلها على صفحتك... ترسم بألوانها روح قصائدك... وكأني هنا اسأل عن براءة تامة تغلف نصك... لا اعرف ربما هو شعوري... ولا اعرف اذا هي اجابة... او سؤال؟
هذا كلام في الجوهر يفرحني عميقاً. هي حالة شفيفة راقية من التلقي افسّرها على النحو التالي: الطفل الذي في اعماقك لا يرى الطفلة التي في اعماق كتابتي فقط، بل يرى نفسه ايضاً ويتعرف عليها، فالشعر هو المرأة التي نعيد امامها اكتشاف ذواتنا. مرآة سحرية نرى فيها ارواحنا قبل ملامحنا. العديد من القراء يفاجئني بهذه الحالة الرائعة من التلقي، بهذا اللقاء الطفوليّ المدهش في فضاء الشعر. يسعدني ويملؤني بالفخر ان يجدني الآخر في نصي طفلة لم تتلوث ولم تفقدها الدنيا براءتها وان يجد في الوقت ذاته الطفل المخبوء في اعماقه، في مثل هذه الحالة من التواصل بين القارئ وبيني عبر النص، لا اشعر بأن ثمة شخصاً يقرأ لي، وانما اتيّقن بأن ثمة روحاً تعيد قراءة طفولتها عبري. مثل هذه القراءة تسمو بالشعر وبالقارئ بي، ترفعنا جميعاً الى سماء ثامنة.


سوزان... بعيداً عن سطوة الاسم والكتابة والشعر... امامي قارئ كيف تقدمين له نفسك؟
انا اخت هذا القارئ، شقيقة روحه وألمه وأمله. شبيهته في تلك المرآة العميقة من القلب، حارسة احلامه كما هو حارس احلامي.
سوزان الانسانة هي ذاتها سوزان الشاعرة. ما من مسافة بين ذاتي والذات الشعرية التي اكتب بها.
أتمنى دائماً ان يراني القارئ على انني واحدة من اهله والاّ يتعامل معي كإسم ونص فحسب. فأنا لا انظر اليه كآخر غريب لا اتبيّن ملامحه، وانما كصديق حميم اعرفه ويعرفني وبيننا مساحة شاسعة من البياض.

من ذلك الركن الوديع القريب من الشعر دعيني اسأل... كيف هو القارئ اليوم؟
ان كان المبدع نبعاً، فالقارئ هو المصبّ. ليس النهر نهراً بلا نبع ومصبّ. كذلك الابداع الذي لا يكتمل الاّ بنبعه ومصبّه، بثنائية المبدع والمتلقّي. القارئ هو ذلك البحر الذي يحيي الحبر امواجاً تلمع تحت الشمس ونور القمر وتتقافز من اعماقه اسماك الحلم والحب والحرية الملوّنة. هو، ايضاً، الازرق الذي تتبخّر منه المياه غيوماً تمطر في النهر ثانية ليتمزج الجريان بالمبد والمتلقّي، ليتدفّق بهما معاً.
القارئ العربي بخير، رغم كل ما يُشاع عن ازمة قراءة وغياب قارئ. اقول هذا بناءً على تجربتي الشخصية وعلى علاقتي العميقة الحميمة بقارئي، المصبّ الذي يمنح قصائدي اوطانها الصغيرة في قلبه وروحه ووعيه.


هنالك تهمة معلقة على اسنة الرماح ترى ان الكتابة الجديدة او النص الحديث اي منهما مسؤول عن القطيعة الكائنة بين القارئ والادب؟

في هذه التهمة تعميم ظالم، لكنها ليست خالية تماماً من الصحة. العديد من التجارب التي تطرح نفسها تحت مظلة الحداثة ساهمت في قطع الجسور بين القارئ والادب. هذا واقع لا يمكن انكاره. كتابات مرتبكة غامضة تخبئ ضعفها وركاكتها خلف الرموز والزخرفة... ولكن هذا لا ينطبق على جميع التجارب الحداثية. بالاضافة الى اننا لا نستطيع ان نغض النظر عن العوامل الاخرى المسؤولة، بشكل اكبر، عن القطيعة بين القارئ والادب. وعلى رأسها: نسبة الامية العالية جداً في العالم العربي، تهميش الدولة لدور الادب، جمود المناهج الدراسية الى غير ذلك من المشاكل الجوهرية في مجتمعاتنا ودولنا. ان كان النص الحديث قد ادى الى قطيعة بين القارئ العربي والادب، فهل هو ايضاً ما ادى الى قطيعة بين الانسان العربي والحياة والحلم والامل؟ انا لا ابرئ النص الحديث، فهو حتى الآن لم يقدّم المفترض منه والمأمول للأسف، ولكنني ارى انه احد الضحايا للخراب الذي نعيش فيه على جميع المستويات.


كيف ترين موقع الشعر على خارطة الاعلام العربي الآن؟
اراه في الهامش، لكن هذا التهميش في اعتقادي يصبّ في صالح الشعر... هذا النجم الذي لا يحبّ الاضواء ويبدع اكثر في الظل.


لك تجارب مع الامسيات الشعرية كيف ترين اهمية هذه الامسيات ومدى ما تحققه للشاعر؟
احييتُ ثلاثة امسيات هي من اجمل ذكريات عمري، امسيتان في مصر: الاولى في معرض الكتاب في القاهرة بعد اصداري لمجموعتي الشعرية الاولى "عصفور المقهى" عام 1994 والثانية في الاسماعيلية بعد ذلك بسنوات قليلة، امسيتي الاخيرة كانت في الكويت العام الماضي، في صيف 2003.
انا مقلّة في امسياتي، اذ انني لا انظر الى الامسية على انها مجرد قراءة الشعر واذ انني ضد فكرة المنبر الخشبي العالي والشاعر المسرحي والجمهور الجالس كما لو في خطبة، ارفض هذا التصوّر للأمسية وهذا السياق النمطي لذاتي وللآخر. احب لأمسيتي ان تكون اشبه بجلسة حميمة، مضاءة بالشعر ودافئة بأرواح الحاضرين. ولذا اصرّ على ان تكون الامسية من تصميمي وتنظيمي واهتم بنفسي بكل تفاصيلها من الالف الى الياء. حدث ذلك في امسياتي الثلاث، تحديداً في الاعداد والتنظيم عامة من حيث الدعوات والحضور. وقد فاجأني فيها احتفاء الحضور الرائع بالشعر. خرجت منها بنجوم كثيرة على كتفيّ وبقناعة عميقة: ان كانت الكتابة جسراً الى الآخر. فالأمسية جسر بألوان قوس قزح اذ انها تتيح للشاعر رؤية نصوصه حية، بألوانها السبعة. للشعر في الامسية وقع آخر فالأمسية تحرر الشعر من الحبر والورق تمنحه حواسه الخمس.


كيف تأتي لحظة الكتابة... كيف تستقبليها... وما هي دواعي التصالح بينك وهذه اللحظة؟
لحظة الكتابة هي لحظة انهمار الغيم مطراً ملوّناً على الورقة البيضاء، تبدأ بقطرة واحدة، حارة وحيّة كدمعة، ثم تليها السيول الجارفة. تأتي كنسمة خفيفة تجرّ في ذيل ثوبها عاصفة من فراشات. مثل شعاع نور ساطع تتبعه اسراب النجوم ظلالاً. أستقبلها كما يستقبل الاطفال ابتسامة قوس قزح على وجه السماء. افرح بها فرحة انسان يرى جراحه ترسم، بقطرات دمه، الورد الاحمر على الحيطان المهدّمة، اكونها لتكونني قصيدتي.