أنا كائن ليلي والشعر كما البحر ليس آمنًا

7/8/1996 "حوار أجراه: أحمد الدمناتي - جريدة "القدس العربي

 

في محراب القصيدة تصلي هذه الشاعرة صلوات للعشق والحزن والحب والألم، وتحفر على تربة الشعر مدينة للحلم بأناملها الغجرية المسكونة بالقبض على لحظات هاربة من التاريخ والحياة، عاشقة للسفر في أرخبيلات مدائن الكلمات المشاغبة، وتضاعيف النفس المنهمكة، الحبلى بعنف الحياة اليومية المليئة بالتناقضات.

من دواوينها الشعرية: ديوان "عصفور المقهى" 1994 القاهرة - مصر، ديوان "مخبأ الملائكة" 1995 القاهرة - مصر، ديوان "لا أشبه أحدًا" 1996 القاهرة - مصر.

 

باعتبار أن القصيدة لحظة ذاتية دافئة تسكن ذاكرة المبدع، وتفصح عن خبايا النفس ودهاليز الذاكرة، ماذا تعني لك القصيدة في دفتر حياتك؟

القصيدة فراشة من فراشات الروح، أصطادها وأحنّطها وأثبّتها بالدبابيس، وحين أتأمّلها أرى في ألوانها ذاتي.

 

ما دور الغربة في نصوصك الشعرية؟

الغربة مطر أنبت الشعر في صحراء روحي.

 

بعض الشعراء العرب أحبّوا الكتابة في منتصف الليل، ومنهم من أحبّها في الصبح، ما هو الوقت الجميل الذي تحبين فيه الكتابة؟

أوافقك الرأي في أنه لا وقت معيّنًا للكتابة، ولكن بما أني كائن ليليّ، أحب الكتابة في العتمة والسكون.

 

البعد عن الوطن أو المنفى الاختياري يشعل في الذات الشاعرة جدلاً عنيفًا، إذ يستطيع الشعر أحيانًا أن يقرّبنا من الوطن عبر ممر اللغة-القصيدة، ما رأيك؟

الشعر ليس بديلاً للوطن أبدًا، اللغة العربية قرّبتني من بلدي وحضارتي في الغربة إذ كانت جسرًا بين المنفى والوطن، لكن الحرف لا يغني عن حبّة التراب.

 

أصدرت أول ديوان تحت عنوان "عصفور المقهى" وهي فرحة كبرى في حياتك بهذا المولود الأول في تجربتك الشعرية الحزينة، ماذا يمثّل لك هذا الديوان؟ هل هو مرآة تعكس نفسيتك الحزينة أن هناك عوالم شاعرية مختبئة في عيون القصيدة؟

"عصفور المقهى" يضم بين جناحيه قصائد باريس أيام الدراسة الثانوية، وهو يعني لي الكثير على المستوى الشخصي، هو ذكرياتي الشاحبة في مدينة غربتي. حين أقرؤه أرى مدرستي والمقهى ومحطّة البنزين في زاوية الصفحة، أرى وجوه أصدقائي القدامى على الصفحات، أرى باريس بشوارعها المضيئة وبناياتها ونهرها.. أما على المستوى الشعري فهو تجربة أولى، بحلوها ومرها، أي بصدقها وأخطائها.. "عصفور المقهى" على كل حال ديوان لن يتكرّر في عمري.

 

ديوان "مخبأ الملائكة" صرخة حزينة في الوجود، تعبّر عن غربتها القاتلة وحنينها الدافئ للوطن، وعشقها المثالي والناري لحضن الأم والطفولة، ما هو وقع هذا الديوان الجميل في حياتك الخاصة والشعرية؟

بين "عصفور المقهى" و"مخبأ الملائكة" فرق أربع سنوات تقريبًا وانتقال من حضارة إلى أخرى، فالأول كتبت معظم قصائده وأنا في السادسة عشرة من عمري، بينما الثاني كتبته وأصدرته وأنا في العشرين، كما أنني كتبت الأول في باريس، بينما كتبت معظم قصائد الثاني في القاهرة. ولا بد أن ينعكس تأثير الزمن والمكان على التجربة الشخصية للإنسان، وعلى التجربة الشعرية للمبدع. قصائد "مخبأ الملائكة" بشكل عام أكثر عمقًا ونضجًا من قصائد "عصفور المقهى". على المستوى الشخصي كل ديوان يمثّل لي مرحلة معيّنة في عمري، وأحبه بطريقة مختلفة، أما على المستوى الشعري، فإني أرى أن "مخبأ الملائكة" يقدّمني للقارئ بشكل أفضل، وإن كان ديواني القادم "لا أشبه أحدًا" أفضل أعمالي من وجهة نظري.

 

أعرف جيّدًا بأنك تحبين الكتابة في المقهى رغم الصخب والضجيج، لماذا هذا العشق للمقهى كفضاء لكتابة القصيدة؟

اعتدت المقهى من سن السادسة عشر، واعتدت الكتابة في رحابه. كنت ما زلت طالبة في المدرسة الأمريكية في باريس، وكان هناك مقهى اسمه "ليندي" على الرصيف المقابل لبوّابة المدرسة، كتبت معظم قصائد "عصفور المقهى" في ذلك المقهى، ومنذ ذلك الوقت والكتابة في المقهى من عاداتي الكتابية.

 

هل فكّرت يومًا في الدخول لمغامرة كتابة سيرة ذاتية، تتحدّثين فيها عن تجربتك الشعرية، عن همومك الإبداعية، علاقتك بالقصيدة لحظة فورانها وتوهّجها، دوافعها؟

لا، لم أفكّر إطلاقًا في مثل هذا الأمر. لا أعتقد أن تجربتي الشعرية تستحق سيرة ذاتية، فأنا ما زلت في أول الطريق، كما أني لا أحب أن أتحدّث عن قصائدي. القصيدة تعرّف القارئ بنفسها بدون مقدّمات.

 

القصيدة موجة مشاكسة، أما أن ترمي بك في الشاطئ فتنجو وقتيًّا لتكتبي عن رحيل خوفك وحزنك، أو تهرب بك لأعالي البحار.. ربما تكوني ملّاحة ماهرة أو شاعرة غريقة.. أيّهما تختارين إذًا؟

أختار أن أكون شاعرة، أغرق أحيانًا وأطفو أحيانًا أخرى. في الشعر، كما في البحر، لا شيء مضمون.

 

لقد ورّطت نفسك منذ طفولتك الوردية في جزيرة تضيّع كل من له زورق غجري على مرفئها، إنها حرقة كبيرة وخطيرة (الكتابة).. هل تتصوّرين يومًا ما بإمكانك الابتعاد عن وجع الكتابة الجميل؟

الإنسان يجهل ما يخبئه له القدر، وإن كنت أتمنّى ألاّ أبتعد عن الشعر أبدًا.

 

دخلت محراب الكتابة كقدّيسة صغيرة تعشق كنائس اللغة بحرائقها وجراحها، وسافرت بقوّة الحلم في مدن القصيدة المائية المنفتحة على خراب الذاكرة ومنفى الذات، هل تستطيعين يومًا ما أن تخوني ألق القصيدة وسحرها لتغوصي في أنماط كتابية وإبداعية أخرى؟

لا أعتقد.