رسوماتي كائن اسمه الحب

12/2003 "حوار أجراه: منصور الرسلاني - مجلة "الحدث

 

للغربة حسنات وللشعر فضل وللفن عموماً مقدرة على استدراج من يحب ويعشق... فالموهبة عندما تتفجر والابداع حين ينضج يشكل وتتشكل معه الارادة والتحدي لما هو قادم وقادر على استدراج كل صاحب ذائقة فنية عالية – سوزان عليوان – فنانة تشكيلية شاعرة رسامة ومهيئة لأكثر من موهبة. استدرجتنا الى هذا اللقاء بكل حب وود وصدق ورحابة لم نشهد لها مثيلاً.


سوزان عليوان هل للغربة دور في صناعة سوزان... وهل هذا الابداع نتاج غربة الارواح ام غربة الاوطان؟
مما لا شك فيه ان غربتي ساهمت بشكلٍ كبير وعميق في تكويني كإنسانة وكشاعرة. لكن الغربة لا تصنع ابداعاً، لا غربة المكان ولا غربة الروح. بشر كثيرون يعانون احدى الغربتين او منهما معاً ولا يصبحون كتّاباً او رسامين. اؤمن بأن الفنان يولد فناناً، ثم تفجّر الحياة روحه وموهبته وطاقاته، تماماً كما يتفتّح البرعم من التراب والماء، في الهواء والنور، ليصبح وردةً. السيدة الوالدة تقول انني منذ طفولتي المبكرة جداً كنت اميل الى الخربشة بقلم الحبر على كل شيء يقع في يدي، لدرجة انني كنت اخطّ رموزاً واشكالاً على وجه كل دمية في غرفتي! كان ذلك قبل ان اغترب عن وطني وقبل ان اعي غربة روحي في العالم. هل كنت سأكون شاعرة لولا الغربة؟ هذا سؤال لا اجابة له، لأننا لا نعيش سوى مرة واحدة وحياتي لا تتجزأ عن غربتي.


انتِ تعيشين في مدينة فاضلة صنعتيها بينك وبين ذاتك رغم ان الواقع بعيد عن ذلك هل هو تجاهل للحياة ومحاولة للهروب؟
بداخل كل انسان مساحة تتسع لمدينة جميلة يسيّجها الورد وتعلو في سمائها الصافية اجنحة الفراشات وضحكات الاطفال... لكن الكثير من البشر يغلي هذه المساحة البيضاء بيده، يدفنها حية في اعماقه. بهذا الوأد، يفقد الشرط الانساني. في المقابل، ثمة ارواح قوية وحرة تحرص على بقاء هذه المساحة شركاً لبقائها في الحياة، بل وتسعى، كادحةً دؤوبة، الى توسيعها. بفضل الله، وبإصرار صادق على المعنى، استطعتُ ان احافظ على مدينتي وروحي وقلبي من دون ان اختبئ داخل كهف او خلف درعٍ. انا لا اتجاهل الواقع ولا اهرب منه، بل اتحدى ظلامه بشمعة صغيرة في يدي واواجه سكينه الصدئة الملطخة بالدماء بزهرة شاحبة في اليد الاخرى. لستُ املك سوى هذه الاسلحة البسيطة المسالمة: قلمي، اجنحتي الورقية، فرشاة الرسم، شموعي الملوّنة، ازهاري التي تختلط دموع الانسان بقطرات بنداها.


ماذا يعني لك الشعر في عصر اصبح الشعر فيه بضاعة مزجاة؟
في كل العصور، وُجد الشعراء يرون في الشعر خلاص الانسان ووُجد شعراء يتعاملون مع القصيدة على انها مجرد سلعة تُباع وتشترى. انتمي والحمد لله للفئة الاولى. الشعر، بالنسبة لي، ضمير العالم. نبضه الحي. روحه الحرة.


هل هناك علاقة وطيدة بين الموسع واحساس سوزان؟
اعتقد انني صاحبة اصغر مرسم في العالم. حتى الاطفال، حين يرسمون، يشغلون بأقلامهم الملونة واوراقهم المبعثرة وبقع الاحبار مساحة اكبر من تلك التي انزوي فيها ليلاً، سواء في غرفتي وفي غرفة جلوس البيت، حين ارسم. كما ذكرت في اكثر من مرة، لستُ رسامة. لدي بعض المعرفة في فن التشكيل بحكم اطلاعي منذ صغري على هذا الفن، لكنني لستُ فنانة تشكيلية. ارسم لأنني احب الرسم ولأن هنالك من يحب رسوماتي، تماماً كما يرسم الاطفال ولأسبابهم ذاتها، كتابي الوحيد الذي تضمّن رسومات لي هو "كائن اسمه الحب"، وهو التجربة التي اعادتني الى الرسم بعد سنوات طويلة من هجره. كنتُ ارسم في طفولتي واحلم بأن اصبح رسامة. لكن القلم سرقني من الفرشاة. ثم اعادني اليها كهاوية للرسم، طفلةً تحب اقلامها الخشبية وقصاصات الورق ومرسمها الصغير.


هناك الكثير ممن يتصنعون الغربة ليشحذوا عاطفة الجمهور... سوزان هل تجيدين نفسك معنية بذلك؟
لا، لستُ معنية بأي شيء يرتبط بالظهور او الشهرة. انا، بطبيعتي، نبتة ظل. كما انه ليس لدي جمهور. لدي قراء هم اشقاء روحي اوشباهها. لست معنية سوى بالاشتغال على روحي ونصي وعلى مد اقواس القزح جسوراً من كلمات ملوّنة بين البشر وبيني.


الشعراء والمثقفون هم لسان الامة وهم رايتها الخالدة... هناك من يجهل هذه الحقيقة وهناك من الشعراء والمثقفين من يتجاهل هذا الدور؟
"الشاعر مسؤول عن الانسانية". اؤمن عميقاً بهذه المقولة العظيمة للشاعر آرثر رامبو. الشاعر شمعة العالم. روحه فراشة تعانق النار بجناحيها. تحترق لتقول للناس: اضيئوا مصابيح ارواحكم واخرجوا من العتمة الى الحلم والحب والحرية. العالم، عالمنا العربي تحديداً، بحاجة الى من يمسح الغبار عن المعنى اكثر من اي وقت مضى. الناس كادوا يفقدون ايمانهم ببريق الحياة. لقد اصبحنا امة من الموتى. جلودنا اكفاننا، اوطاننا مقابر عملاقة... وما عادت المنافي تتسع للهاربين من هذا الجحيم! مأساة الثقافة العربية ان عرابيها ليسوا معنيين الا بذواتهم. تاجروا بقضايا الامة بقدر ما تاجر بها الحكام. من جماجم الاطفال وركام البيوت وجثث الاحلام، بنوا امجادهم. سماسرة محبة وسلام لا يسعون سوى لخلاصهم الذاتي المتمثل في تكريم من الدولة او في دعون الى مهرجان في دولة اخرى او في جائزة يتمنن الغرب بها كمن يلقي عظمة لكلب. مأساتنا ان المثقف لدينا يشبه الحاكم اكثر من انسان الشارع. لا يجهل مسؤولياته (اذ انه يجاهر بها شعاراً) لكنه يتجاهلها، وكيف لا يتجاهلها واقصى طموحه في الدنيا جائزة نوبل؟!


تلك اللحظات الرائعة لحظات صدور ديوانك الاول "عصفور المقهى" كيف عشتيها؟
عشتُ تلك اللحظات في المطبعة الصغيرة التي خرج منها "عصفور المقهى" الى النور في احدى الاحياء الشعبية في القاهرة، مع صاحب المطبعة والعاملة البسيطة التي احتضنتني وتمن لي التوفيق والنجاح رغم انها لم تستوعب تماماً ان ما اكتبه شعراً! لا انسى ابداً ذلك الشجن الصافي الذي ملأ روحي وانا اخرج من المطبعة الى زحام الشارع، احتضن النسخ الاولى من كتابي بذراعي واحتضن العابرين في الاسواق القديمة بنظرات امتزجت في اعماقها دموع الغربة بدموع الفرح.

 

هل تجدين انك أحدثت نقلة معينة في مسيرتك الشعرية بين الديوان الأول عصفور المقهى وبين مخبأ الملائكة؟

لا. بين "عصفور المقهى" و"مخبأ الملائكة" صعدت سلّمة واحدة لا يمكنني أن أعتبرها نقلة. بين "مخبأ الملائكة" و"لا أشبه أحدًا"، ديواني الثاني، سلّمتان ربما. النقلة الحقيقية أعتقد أنها جاءت مع مجموعتي الرابعة "شمس مرقتة". الشاعر عمومًا يكتب طيلة حياته نصًا واحدًا. نص تتعدّ> أشكاله، أسماؤه، وجوهه... نص لا يكتمل أبدًا.

 

حدثيني عن قصيدة سقوط التمثال.. وكأن بها غضب امتد قرونًا؟

هي قصيدة كتبتها كردّ اعتبار للشعب العراقي الذي، ما أن سقط التمثال وانهال عليه الناس بالضرب بأحذيتهم المثقوبة البالية، حتى انهالت عليهم الشعوب العربية بالشتائم والاتهامات! لم تستوقف الضمير العربي الأحذية الفقيرة التي ينتعلها أبناء شعب عريق ثري بتاريخه وثقافته وخيرات وطنه، لكن التمثال البشع بزيّه المعدنيّ الأنيق هزّهم وهزمهم بسقوطه! كيف أصمت أمام ظلم كهذا؟ كان لا بد لي من ان اسجل موقفي في ذلك اليوم. رغم رفضي للحرب، وقد كتبت ثلاث قصائد ضد الحرب قبل وقوعها ونشرتها في موقعي، الا انني فرحتُ بسقوط التمثال وادعو الله ان تسقط بقية التماثيل ولكن بأيدي الناس وليس بأيدي جنود مرتزقة كما حدث في العراق. هاجمني البعض على هذا النص وتأثرت لا انكر، فالهجوم كان حقيراً كالأرواح التي شنّته، الارواح التي آلمها سقوط بغداد فيما علم امريكا (واسرائيل) يرفرف حراً طليقاً في سماء بلادها! انا لم ازايد في حياتي على حبي للعراق بلداً وناساً، رغم ان نصف دمي عراقي. كما انني لم اكتب هذه القصيدة كإبنة لسيدة عراقية وانما كإنسانة تدافع عن شعب ظلمه القريب اكثر من الغريب. يكفيني شرفاً انني ان زرت اهلي في العراق ذات يوم، استطيع ان ارفع رأسي عالياً... فأنا والحمد لله لست من مرتزقة الشعر والثقافة الذين كانوا يزورونهم بدعوة من النظام السابق. كما انني لستُ من المسعورين على العراق الجديد. العراق لأهله، ويكفي ما ارتكبه العرب من جرائم في حقّه منذ حربه مع ايران وحتى الغزو الامريكي الاخير.


هل يزعجك كشاعرة فصيحة سيطرة الشعر العامي في الاوساط من مطبوعات ومن تهافت الجمهور اليه؟
اكتساح الشعر العامي لا ينطبق سوى على منطقة الخليج العربي، وبالتالي لا ينعكس علي لا بالسلب ولا بالايجاب. عموماً، لا ارى فصلاً كبيراً بين الشعر الفصيح والشعر العامي. الشعر الحقيقي يفرض نفسه بغض النظر عن الشكل الذي يتخذه او اللهجة التي يُكتب بها. هناك شعراء عامية تفوّقوا على شعراء الفصحى. اذكر على سبيل المثال: احمد رامي، صلاح جاهين، عاصي الرحباني، بدر بن عبد المحسن، الرداءة في الشعر لا تقتصر على العامية فقط، بل تتجسد في العديد من النصوص الفصيحة. من الخطأ ان نعتبر الشعر الفصيح افضل من الشعر العامي، كما انه من الخطأ ان نعتبر القصيدة العمودية اكثر شعرية من قصيدة النثر. مثل هذه الافكار تنبع من عقد متجذّرة في الفكرة العربي الذي تجمّد عند زمن احمد شوقي. الجمال، سواء في روح شاعر او في قصيدة، لا يحتاج الى تبرير.


نجد عدم اهتمام واضح بشعراء الفصيح... هل لكل زمان دولة ورجال ام ان الغالبية يفتقرون الى الوعي المطلوب؟
احمد الله على تجاهل هذا الزمن وتجاّره وسماسرته للشعر والشعراء، فهذا التهميش يحفظ نقاء الشعر وارواح الشعراء. اي شاعر حقيقي يقبل التواطؤ مع عالم بلا ضمير كهذا؟ وهل من دولة ورجال في هذا الزمان اصلاً؟


لمن تقرأ سوزان ومن يشعل ذائقتها؟
ارواح كثيرة: المتنبي، آرثر رامبو، لوركا، بول ايلوار، وديع سعادة، رياض الصالح الحسين، عماد ابو صالح، بدر بن عبد المحسن...


سبع اصدارات لشاعرة لم تتجاوز الثلاثين ربيعاً امر رائع اليس كذلك؟ ولكن ربما ان في الامر عجلة واستنزاف صارخ للشباب سوزان؟
ومن يضمن عمره؟ اشعر دائماً بأنني في سباق مع الحياة والموت. بصراحة، انا لم انجز عملاً مهماً حتى الآن. ما زلتُ احلم بقصيدة عمري واسعى اليها واتمنى ان ألمس جناحها قبل ان يباغتني ملاك الموت. الدنيا تستنزفنا في كل يوم يمرّ، الزمن يحفر تجاعيده في الجلد والروح، وسوف ننام طويلاً تحت التراب، لذا، على الانسان ان يشعل بشبابه اكبر قدر ممكن من الشموع والارواح، قبل ان ينطفئ ويتلاشى رماداً.


ارى ان الغربة عاثت بسوزان في قصائده، في رسوماتها، في عينيها حتى في صوتها الشجي... الى متى يا ابنة العروبة؟
ما دام هناك انسان واحد على هذا الكوكب يهان او يتألم. كل صفعة تنهال كمطرقة على خد انسان تجرح خدي وتستبيح كرامتي، وكل رصاصة تصيب عجوزاً او طفلاً او عصفوراً بخفّة الهواء والنور تستقر في قلبي. خلاصي هو خلاص الانسان. لذا لا خلاص لي. لقد الفتَ العالم من بين ايدينا.