|
إن أبسط تعريف للشاعرة سوزان عليوان هو انها طفلة كبيرة، تحلم بصندوق الدنيا،
ويزدحم عالمها الشعري بالطائرات الورقية... بالنجوم الملونة... بوجوه الاطفال...
وبقوس قزح، شاعرة ورسامة تحترف الحب وتخاف من الحب، لوحاتها قصائد مرسومة، وقصائدها
لوحات ملونة، قلبها علبة ألوان وتتوق دائماً الى كائن اسمه الحب وفي داخلها حنين
لمعانقة كل الاشياء الجميلة، وربما هي الوحيدة التي تجلس في ليلة ماطرة لتسأل
نفسها: اين ينام اطفال الشوارع؟!
سوزان عليوان شاعرة من اب لبناني وام عراقية صرفت سنوات طفولتها ومراهقتها بين
الاندلس وباريس والقاهرة، وقد صدر لها وفي طبعات محدودة وخاصة عدة دواوين منها:
عصفور المقهى، مخبأ الملائكة، لا اشبه احداً، شمس مؤقتة، كائن اسمه الحب، مصباح
كفيف.
خلاص جماعي
إننا نكتب من اجل ألا نموت، إننا مثل شهرزاد نبتدع كي يوم حكاية جديدة حتى
نتخلص من الموت لليلة اخرى" على حد تعبير كارلوس فنتينوس. ترى الى اي حد تشعرين ان
قصائدك تنقذك من موت معنوي محقق؟
الى حد الجوهر، أؤمن بأ، الشعر مرادف للحياة.
لا ارى الشعر رادعاً للموت فحسب، فدور دفاعي كهذا يقيّد الشعر، هذا الكائن العملاق
بروحه (الذي لا يتجاوز بحجمه بضعة سطور احياناً)، في حيّز ضيّق لا يليق بآفاق الشعر
الواسعة.
الشعر – بطبيعته اللامحدودة – دافع للحياة، مفتاح للحرية، حارس للحب، وهو ايضاً
مهاجم شرس لكل البشاعاتالتي تحدث في الدنيا.
سلاحه وردة يشهرها في وجه اعداء الورد، ودرعه جناح فراشة لا تهاب النار، بل تهرع
اليها في سبيل الوصول الى قلب النور وان كلفها الهدف حياتها!
لا ينبغي ان نكتب لنؤجّل الموت فحسب، وانما لنكرّس الامل كقيمة في العالم، لنوحّد
بين وجودنا والحياة.
عن نفسي، لا اكتب الشعر من اجل خلاصي الفردي.
لو كان الامر كذلك، لكتبته لنفسي دون ان اطلع الناس عليه او أشرك ارواحهم في
قصيدتي.
الخلاص الجماعي هو ما احلم به كإنسانة وكشاعرة، هو ما اسعى اليه في الشعر كما في
الحياة.
الموت، بمعنى فناء الجسد، حتميّ ويتقّبله الكائن الحي بفردية وايمان.
اما موت الروح، فهذا هو الخراب الاقصى والاقسى.
لم يخلق الله الانسان من اجل الموت او الخلود، وانما من اجل الحياة هذا هو الهدف
الاساسي لوجودنا.
هذه الحياة المفترضة والمأمولة، المغيّبة والمهمّشة في الدنيا التي نعيش فيها، لا
بد ان يطرحها الشعر حلماً واحتمالاً.
اكتب لأمجّد الانسان والحياة، لأردّ اليهما في نصّي شيئاً من اعتبارهما وعظمتهما.
أحلم بالغابات
شاعرتنا هل يمكن ان تحدثينا عن بداية علاقتك بالشعر؟ وعن طقوس الابداع لديك؟
ومن اين تلتقطين ملامح القصيدة؟
بدأت علاقتي بالشعر منذ الطفولة المبكرة لم يكن بإمكان شيء في العالم تبديد غربة
الروح وغربة المكان وغربة الزمن غير الشعر. أؤمن بأنني ولدتُ شاعرة، وانه لم يكن
بإمكاني ان اكون شيئاً آخر في الحياة.
وردةً في حديقة؟
كانت جذوري ستؤلمني حين احاول تقليد الفراشات!
عصفور يمسح دموع السماء بمنديل جناحه؟
كنتُ سأحنّ الى الطين الذي خلقني الله من ترابه ومائه.
نجمة بعيدة في الاعالي؟
لكانت حياتي، في هذه الهيئة، يائسة جداً... فليست للنجوم اذرعة طويلة تربّت على
اكتاف البشر المثقلين بأحزانهم على الارض.
بدأت علاقتي بالشعر في البذرة، وما زلت احلم بالغابات.
اما عن طقوس الابداع، فوقتي المفضل للكتابة هو الفجر. اكثر قصائدي ولدت مع آخر
ابتسامة قمر واول ضحكة شمس، واصوات العصافير! لا بد من اصوات عصافير ترافق الرفرفة
الاولى للكلمات على الورق وتعلّمها الموسيقى والطيران. ولحسن الحظ، هنالك دائماً
اشجار قريبة من بيتي (سواء حين كنت اعيش في باريس او في القاهرة او الآن في بيروت)،
وفنجان القهوة المُرّة!
لكنني احياناً اكتب في المقاهي صباحاً وفي هذه الحالة، تكون الطاولات الخشبية
المجاورة هي الاشجار، واصوات الناس هي اصوات العصافير، ويكون فنجان القهوة امامي
يحدّق في شرودي بعينه الواحدة.
ملامح القصيدة التقطها من ملامح الحياة: وجوه الناس، احزانهم المقيمة، افراحهم
العابرة، دموعهم، ضحكاتهم، صمتهم، كلامهم البسيط... في قلبي، صندوق كبير يلملم
الاشياء الصغيرة من المدن والشوارع وآثار البشر، ليصنع منها فيما بعد حياةً اخرى في
قصيدةٍ ما.
هويتي وهوايتي
الشعر والرسم صديقان حميمان، ايهما اكثر انانية ويحتاجك بجانبه؟ واين تجدين
نفسك اكثر؟
احتاجهما معاً، كما تحتاج البنثة الى النور والهواء كي تنمو في اتجاه الشمس والسماء
الشعر اكثر انانية من الرسم برأي هو اشبه بالطفل المنعزل الصامت الذي يجبرني على
استخدام حيل كثيرة كي اجعله يتكلم ويبوح بأسرار روحه. اما الرسم، فهو الطفل المندفع
الصاخب الذي يأتي دائماً واصابعه ملطّخة بالالوان! الشعر يجلس على حافة الورقة
البيضاء وينتظر ان امدّ له يدي كي نعبر النهر معاً. اما الرسم، فهو يسحبني من يدي
الى المياه الجارية والمراكب الورقية والاسماك الزرقاء والحمراء والصفراء... اجد
نفسي مع الاثنين وفيهما. فكل منهما يحمل شيئاً من ملامحي وصفاتي، لكنني لا اعتبر
نفسي رسامة او فنانة تشكلية، انا شاعرة ترسم... طفلة كبيرة تصادق طفل الرسم في
مساحة صغيرة ملوّنة... الشعر هويتي، اما الرسم فهوايتي. الشعر والرسم توأمان من
لحمي ودمي، احدهما يشبهني حين ابكي والآخر يشبهني حين اضحك من اعماق قلبي.
لا مستقبل للعمودي
شاعرتنا عرفناك من خلال قصيدة النثر وكنت من القلة الذين فجروا طاقتها
الهائلة، فهل جربت يوماً الاوزان الخليلية؟
أشكرك يا نورة على اطرائك الراقي لكنني – بصدقٍ – لا اشعر انني قدّمت من خلال
تجربتي البسيطة ما تستحقه قصيدة النثر من آفاق واسعة. للقصيدة النثر امكانيات
هائلة، لا اظنني تمكنت من تفجيرها في نصي كما ينبغي. اعوّل على القادم اكثر مما سبق
لي وقدّمته. كما اتمنى ان يأتي شعراء وشاعرات آخرون ويقوموا بما عجزت عن القيام به.
مثل العديد من شعراء وشاعرات قصيدة النثر، كانت لي في البداية بعض التجارب في كتابة
الشعر العمودي. لم انشر هذه المحاولات الاولى حتى الآن، ولم يطلّع عليها سوى رفاق
المدرسة القدامى واستاذ اللغة العربية الذي كان يعلّمني لغتي الام في غربتي
الباريسية. الشعر العمودي بلغ ذروة مجده على ايدي عمالقته. وما عاد بإمكان احد
تجاوز القمة التي تربّع عليها المتنبّي. مثلاً، هذه قناعتي الشخصية، مع احترامي
لجميع من يرون بأن للقصيدة العمودية مستقبلاً بإمكان شعراء اليوم او الغد صناعته،
مجد الشعر العمودي ابديّ في ثقافتنا، لأن ماضيه فرض مستقبله الذي يكتسب اهميته من
الجذور وليس من الفروع.
جوهر الشعر
الشعر=الايقاع في نظر من يدافعون عن قصيدة الوزن. فأين الايقاع في قصيدة
النثر؟
ايقاع قصيدة النثر في معناها وفي موسيقاها الداخلية، وليس في شكلها واوزانها
وقوافيها.
الطير على غصن الشجرة لا ينشّز (ولا احد يتّهمه بذلك على حد علمي)، مع انه لا يضع
امامه نوتة موسيقية!
ليس هذا دفاعاً عن قصيدة النثر او هجوماً على القصيدة العمودية، الشعر ليس مجرد
ابيات موزونة ترصّ. هذا مفهوم سطحي لا يليق بالشعر.
هنالك قصائد عمودية رائعة، هنالك قصائد نثر رائعة، وهنالك قصائد رديئة في الشكلين.
الدفاع لا يجب ان يكون عن الوزن، والهجوم لا يجب ان يكون على قصيدة النثر...
المفترض ان ندافع عن معنى الشعر بغض النظر عن شكله، وان نهاجم الرداءة في كل
اشكالها.
قشور الحداثة
كثير من الشعراء كتبوا قصيدة النثر بشيء من الاستسهال فباتت طلاسم لا معنى لها
وبدا عليهم رقة الحال والفقر الفكري. ألا ترين ان هذا ناتج عن التقليد الاعمى
للغرب؟
أتفق معك تماماً بأن الكثير من الذين يكتبون قصيدة النثر في العالم العربي
يقدّمونها في اردأ صورها على الاطلاق. لقد تمّ تشويه قصيدة النثر العربي على ايدي
العديد من شعرائها وشاعراتها. ولهذا التشوّه المؤسف اكثر من سبب، وليس من الصواب او
الشجاعة ان نلقي اللوم كله على الغرب في ذلك كما نفعل في كل امورنا العربية.
المشكلة الاساسية برأيي تنبع من جهلنا لثقافتنا، وأقصد بذلك الثقافة العربية بشكلٍ
عام والاسلامية بشكلٍ خاص. الحداثة ليست مستوردة من الغرب كما يصوّرها الكثيرون من
المنتفعين من جهل الناس. الحداثة التي نشهدها اليوم في العالم انجاز بشريّ ضخم ساهم
الاسلام والعرب الى حد عميق في ابتكاره وصناعته. والاندلس خير مثال، فحين كان العرب
والمسلمون منارة حضارية على الحضارات والثقافات الاخرى، كانت القارة الاوروبية
غارقة في الظلام والجهل! الغرب هو الذي استورد حداثتنا وطوّرها. اما نحن، اليوم،
فنحارب الحداثة في جوهرها ونهرع الى قشورها. هذا ينطبق على الشعر، كما ينطبق على كل
امور حياتنا.
لذا، نجد ان قصيدة النثر تُطرح هشّة، مرتبكة، ميتة في الكثير من التجارب.
ما يكتب وينشر في اغلب الاحيان ليس بقصيدة نثر، بل لا علاقة له بالشعر او بالحداثة.
وانما قصيدة متحجّرة في وعيها ومضمونها، وبلا اوزان او قوافٍ!
فتكون النتيجة مجموعة من الالغاز والطلاسم والادعاءات.
الحداثة الحقيقية تنبع من الروح والعقل وتصبّ في النص. والحداثة ليست عدوّة
حضارتنا. بل هي طوق نجاتنا الوحيد، اعني الحداثة العربية الاسلامية التي تستخرد
اللؤلؤ من اكوام المحار.
الحداثة التي تنبع من جذورنا وتتفاعل مع الكون فتملأ ارواحنا وعقولنا بالمعرفة
وتنعكس على ذواتنا ومفاهيمنا وحيواتنا وبالتالي على نتاجنا الادبي.
الحداثة التي تعيد للإنسان اعتباره (اياً كان عرقه او لونه او دينه) وللحياة مجدها.
التعبير بالرسم
سوزان عليوان... قلة هم من يحتفظون بطفولتهم رغم تجاعيد السنين، نجد طفولتهم
تلوح في حركة ايديهم، ونظراتهم، وابتساماتهم، واحسبك منهم، فعالمك الشعري يزدحم
بالطائرات الورقية، والازهار، والنجوم... ما تعليقك؟
هل تسمحين لي، وهل يسمح لي القراء والقارئات الاعزاء، بالتعليق برسمة صغيرة؟
شاعرتنا في ادبنا الخليجي مَن مِن الاقلام النسائية يستوقفك بصراحة؟
هنالك اكثر من مبدعة خليجية اقرأ لها واتابع تجربتها. هنالك الشاعرة سعدية مفرّح من
الكويت. كذلك الشاعرة سعاد الكواري من قطر. وهنالك جيل جديد من الشاعرات الجميلات،
كالشاعرة دلال المطيري والشاعرة بثينة العيسى من الكويت. ومن شاعرات الخليج اللواتي
يكتبن بالعامية، تستوقفني الشاعرة هتّان.
لن أقبل التواطؤ
المرأة الاديبة في عالمنا العربي مدحورة عاطفياً وتعاني من ضيق المساحة
ابداعياً... الى اي حد ترين ان هذا صحيح؟
في عالمنا العربي، الانسان مغيّب ومهمّش ومذبوح في روحه ووجوده واحلامه: فما بالك
بالمرأة المبدعة؟
ما نحتاجه ليس تحرير المرأة من الرجل، او تحرير المبدعة من قيود التقاليد. ما
نحتاجه، وبشدة، هو تحرير الانسان من استبداد الانسان، تحرير الناس من الخوف والذل
والموت اليومي. لست من انصار حقوق المرأة. انا مع حقوق الانسان، سواء كان رجلاً او
امرأة، طفلاً او عجوزاً، فقيراً او ثرياً. انا مع الحل الجذري للمأساة، ولست مع
التطرق الى فرع من الشجرة دون آخر.
اعتذرت كثيراً عن المشاركة في المهرجانات الادبية... لماذا؟
بصراحة انا ضد تعامل الشاعر مع المؤسسة. لذا، اصدر مجموعاتي الشعرية في طبعات خاصة
ومحدودة واهديها عبر موقعي البسيط على شبكة الانترنت لأصدقائي من القراء والقارئات.
ولذا ايضاً، اعتذر عن المشاركة في المهرجانات الثقافية. اشعر ان الناشر بطبيعته
تاجر يضع حساباً للربح والخسارة (وان ادّعى هماً ثقافياً) وان المهرجانات ليست سوى
احتفالات تفرح الحكومات ووزارات الثقافة والاعلام والشعراء والشاعرات زالنجومس
والصحافة! اي شاعر حر (كما ينبغي للشاعر ان يكون) يقبل دعوة دولة تنفق على رحلته
واستضافته وتكريمه فيما الملايين من بسطاء شعبها احقّ منه بالمال الذي ينفق على
تذكرة السفر واقامة الفندق ودعوات الغداء والعشاء؟ في التعامل مع المؤسسة، تواطؤ
وتخاذل لا اقبله على نفسي. هذا مبدئي الخاص وموقفي الشخصي، الذي لا افرضه على احد
ولا اعلنه الاّ اذا سئلت عنه كما حدث في هذا الحوار.
لكنني في المقابل على اتمّ الاستعداد لزيارة اي بلد عربي بشكل شخصي، واقامة امسية
مفتوحة للناس الذين يحبّون شعري في مقهى ما، في حديقة عامة، في مدرسة يزيّن صغارها
الجدران برسوماتهم البديعة.
مثل هذه الامسيات تشرّفني.
اما الامسيات التي يحضرها وجهاء البلاد والحكومات والمجتمعات، فلا مكان لفراشاتي
وسط اضوائها ومهرّجيها.
أخيراً هل يمكن ان تضعي لنا بصمة شعرية قبل ان نغلق المحضر؟؟
العازف الذي يستخدم علبة غيتاره تابوتاً
سيقفز من باب القطار فجأةً
ترافقه آلته الموسيقية
وأصواتنا
كعادتنا
سنهزأ بالامر
ونستمر في الضحك والتدخين
لكننا في عودتنا من مدينة الملاهي
سنتذكّره
ونتتبّع صدأ دمعاته على القضبان الحديدية
من مجموعتي الشعرية "شمس مؤقتة" 1998.
|