أرفض طباعة الشعر في دور النشر

8/9/2002 "حوار أجراه: يحيى البطّاط - مجلة "الصدى

 

تختلف الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان عن سواها من شعراء وشاعرات جيلها، في انها تنظر الى تناجها الابداعي بطريقة مختلفة، فهي ربما تكون الشاعرة الاولى التي صممت لها موقعاً جميلاً على الانترنت يضم قصائدها ولوحاتها وافكارها، وعلى الرغم من ان سوزان اصدرت خمس مجموعات شعرية حتى الآن، فإنها لم تلجأ الى النشر التقليدي من خلال دور النشر المعروفة بل استخدمت النشر الالكتروني بوساطة الشبكة العنكبوتية.
ترى سوزان ان الانترنت فضاء افتراضي يتسع لاحتمالاتنا واحلامنا وفراشاتنا الملونة، وتقول: لماذا لا نفرد اذرعنا اجنحة ونحلق في مساحاته الواسعة، الحرة؟ وتبرر سوزان اتجاهها نحو النشر الالكتروني بدلاً من النشر الورقي بقولها: انا ضد فكرة المؤسسة، وضد التجارة بالشعر، وضد التواطؤ مع العالم ولو من خلال مجموعة شعرية، عابرة، وتضيف: انا ضد مبدأ النشر والطباعة من خلال دار نشر تقليدية، مع احترامي لجميع الشعراء والشاعرات...
ولدت الشاعرة سوزان عليوان في بيروت سنة 1974 من اب لبناني وام عراقية، وبسبب الحرب الاهلية اللبنانية، عاشت بين اسبانيا وفرنسا ومصر، وتخرجت في كلية الاعلام بالجامعة الاميركية في القاهرة عام 1997.
أصدرت الشاعرة ست مجموعات شعرية: "عصفور المقهى"، و"مخبأ الملائكة"، ثم اصدرت في العام 1996 مجموعة اخرى بعنوان "لا اشبه احداً"، واخرى بعنوان "شمس مؤقتة" صدرت عام 1998 و"ما من يد" 1999، ثم "كائن اسمه الحب" التي صدرت في العام 2001.
تمتاز اكثر نصوص سوزان عليوان بقصرها وبساطتها الشديدة التي تقترب كثيراً من منطق الاطفال في رؤيتهم وتناولهم لحقائق العالم، الا ان الشاعرة تخبئ تحت السطح البسيط لنصوصها، وعياً عميقاً ومختلفاً، يكسر منظومة التلقي التقليدية لدى القارئ، كما ان قاموسها اللغوي قادر في كل مرة على ابتكار تشكيلات لغوية جديدة ومحيرة... كقولها في نص بعنوان "بانت سعاد" نشرته بعد حادث انتحار الممثلة الشهيرة سعاد حسني:
لم تنتحر
المنتحرون يتركون رسائل وجثثاً
اما السندريلا
فلم تترك فردةً من حذائها حتى...
او قولها في نص آخر:
لم نكبر
انما المدرسة هي التي صغرت
بسياجها المطوّق لبرائنا
واشجار السرو
والباصات...


في حواري معها سألتها عن جدوى ان ينشر الشاعر قصائده على شبكة الانترنت، ولماذا اختارت هي الشبكة العنكبوتية وسيطاً بينها وبين الجمهور؟ فأجابت:
- لقد صمّمتُ موقعي بناءً على رغبة دفينة بداخلي في ان يكون لي مكان في اللامكان. منذ زمن بعيد، وانا احلم بوصول الكلمة وتواصل الارواح، ولقد اتاحت لي شبكة الانترنت هذه الفرصة. ولقد حفزتني صديقة غالية على بناء هذا البيت الصغير، البسيط، الابيض (موقعي)، وتأثيثه بالقصائد والرسومات والصور، وساعدتني في تعلم خبايا التصميم، مع انها لم تكن تعرف شيئاً عن تصميم (الويب)! هذا ما تفعله المحبة الخالصة في الناس، وفي العلاقات الانسانية.


وكيف وجدت تفاعل المتصفحين لموقعك؟
كثيراً ما يذهلني تجاوب المتصفحين... حين يفاجئني زائر او زائرة بتوقيع يضيء الروح ويمنح الكلمات ظلالها في دفتر الزائرين... منذ ايام، على سبيل المثال لا الحصر، وصلتني رسالة من قارئ يخبرني فيها انه يبحث عن وسيلة للاتصال بي منذ سبع سنوات ليقول لي بأن الليل عادل في السواء وهي جملة في قصيدة قديمة لي، وهذا مثال للتواصل الراقي الذي لا يقدّر بثمن.


أنت شاعرة تقف عند منطقة بالغة الخطورة تقع بين الطفولة والنضج، وبين الفلسفة والحلم، وربما بين الوجود والعدم، سأسألك عن هندسة القصيدة او المصيدة التي توقعين القارئ فيها، كيف تمسكين بنصوصك؟
حين اكتب قصيدة، واخرجها الى النور، اطلق في الهواء فراشة من ورق، جناحاها كلمات ترفرف... فالحياة حديثة شاسعة والقارئ طفل تغريه فراشة الشعر بمطاردة حروفها الملونة. هذه الفراشة لا تصيد ولا تصاد، ولكن اذا نشأت حالة حب متبادلة بينها وبين قارئها خلال المطاردة (القراءة)، تحط على كتفه وتصبح فراشته مثلما هي فراشتي... لا امسك بنصوصي ابداً... اطلقها في الهواء وكثيراً ما اطاردها مع القارئ، مثل طفلين يلعبان معاً. اما بالنسبة لهندسة الشعر، فإنني احاول دائماً بناء بيت ابيض جميل، واحلم بأن يكون هذا البيت بيت القارئ مثلما هو بيتي. كلانا بحاجة الى ركن صغير، مشمس ودافئ، في هذا العالم المظلم، القارس.


ما حدود الوعي في تجربتك الشعرية؟ اقصد اين يختبئ العقل حين تكتبين؟
ترعبني فكرة الكتابة الذهنية، بقدر ما اخاف من الكتابة الساذجة، البلهاء. احاول دائماً ان اوازن بين الوعي والبراءة في روحي وفي نصوصي، لئلا تختل المعادلة بين اصابعي، حتى لا اسقط في فخ الذهنية او البلاهة، فكلاهما يقتل الشعر.


لاحظت ان لديك نزوعاً لتحويل اليومي والهامشي والعابر الى قانون عام يحتضن الهم الانساني بمعناه الكوني، هل فكرت في هذا الامر؟
نعم، لأن قصيدة النثر الغارقة في اليومي والهامشي وتفصيلاته ليست سوى مذكرات وخواطر مكتوبة بأنفاس الشعر، لكنها ليست شعراً. اخلاص الفردي لم يعد يعني لي شيئاً على الاطلاق. بل اصبحت اراه مأزقاً للروح ودليلاً على ضعفها وضيقها وتواطئها مع العالم. ما احلم به هو الخلاص الجماعي. وليكن هذا الحلم صادقاً، لا بد من ان يكون شعري مثل شرفة. الشعر الحقيقي هو الشعر المهموم بالانسان، المسكون والمشحون بالهم الانساني وكأنه مسؤول عنه.


للطفولة في تجربتك اثر عميق، يتضح في الرسومات المصاحبة لقصائدك الاخيرة، حدثيني عن طفولتك وعن تلك التجارب البعيدة في ذاكرتك التي تغذي باستمرار تجربتك الشعرية؟
ولدت في فمي ملعقة من ذهب. كنت البكر والطفلة المدللة في البيت والعائلة والمدرسة. نشأت في قصر كبير في الاندلس مع اسرتي التي كانت تعدني شمعتها. لكنني لم اتجاوز ابداً الطفولة الحزينة والفقيرة التي عاشتها امي، ويتمها. كنت كلما ازدحمت غرفتي الانيقة بالدمى، أبكي... لأن امي، لم تكن تملك سوى دمية بائسة مصنوعة من بقايا فستان. كنت اربت على اعناق احصنتي ويدي تحلم بمسح دموع الاطفال الفقراء. لم اغفر لنفسي ليلة سعادتي وترفي، فيما ملايين الناس على هذا الكوكب البائس تجوع وتتعذب وتذل وتموت دون ان تحيا. طفولتي، رغم كل ما كنت انعم به، كانت طفولة حزينة. كانت الغربة تظلل حديقة الورد في روحي مثل غيمة عملاقة، غيمة لا تتزحزح من مكانها رغم كل محاولاتي وحيلي البريئة. غربة مكان، وغربة زمن، وغربة روح، وهي الغربة الاقصى والاقسى. وحده الشعر استطاع استخلاص الشمس من تلك السماء القاتمة.


بمن تأثرت من الشعراء؟ وما هي النصوص التي تجدين فيها ذخيرة لاستفزازك شعرياً؟
الارواح الحقيقية الحرة هي التي تشعل روحي بنورها ونارها باستمرار، وتؤنس شمعتي في ظلام العالم، بل تحثها دائماً على الاحتراق في سبيل الحياة والحلم والحب والحرية والشعر. الشعراء الذين تأثرت بهم كثر. على رأسهم آرثر رامبو، الشاعر – الاسطورة، سارق النار. هنالك ايضاً لوركا وريتسوس وكفافي وبيسوا ونيرودا وجاك بريفير وغيرهم من الشعراء الذين احبوا الانسان وعاشوا وكتبوا من اجل تحريره. من الشعراء العرب، اجل المعري. النصوص التي اجد فيها وقودي لا تحصى، لكن الكتاب الذي لا يفارقني هو كتاب الحياة، الذي يضيف اليه كل شروق سطراً جديداً، هو دمعة على خد الوجود... دمعة فرح احياناً!


حدّثيني عن تجربة الغربة والسفر والحرب، واثرها في كتاباتك؟
هي تجربة قاسية... فقد غادرت وطني طفلةً بسبب الحرب (التي تسمى بالحرب الاهلية اللبنانية، مع ان ايدٍ لا يحصى عددها شاركت اللبنانيين في ارتكاب جرائمها). تنقلتُ مع اسرتي بين بلدان عديدة، شأننا شأن الكثير من العائلات اللبنانية التي مكنتها ظروفها من السفر والعيش في الخارج. بعد محطات عابرة في كل من تركيا وقبرص والسعودية وسويسرا، استقر بنا الحال في جنوبي اسبانيا، في الاندلس، حيث امضيت طفولتي وبدأت بكتابة الشعر، من اجل ان يكون لي وطن ما في العالم، وصوت وحلم. انتقلنا فيما بعد الى باريس، حيث تفتحت على الحياة والشعر وبدأت بنشر قصائدي عن الغربة في بريد القاهرة، التي احتضنتني بذراعين من نور وغبار، انسانة وشاعرة، ومنحتني حنانها وامومتها واعمق ما كتبت من قصائد. اعيش الآن في بيروت، مدينتي-الأم... لكنني لا اسميها وطني...
أحاول حالياً تأمل مشهد لبنان ما بعد الحرب، لأكتبه، أحاول تعرية هذا البلد من الاقنعة الملونة، البراقة، التي يروّج لها الساسة والاعلام في الداخل وفي الخارج، احاول كتابة لبنان الحقيقي، لبنان الذي رأيت فيه، واكثر من مرة، انساناً يبحث وسط اكوام القمامة عن كسرة خبز!