أرجّح الإحتمالات الطيبة لكل السوء الذي حدث

7/8/2002 "حوار أجراه: طارق السعدي - موقع "إيلاف

 

تنفصل الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان تمامًا عن الوجوه والأصوات وتتسلل إلى روحها.. تحب المقاهي لأنها أكثر احتواءً للروح من البيوت. وتشعر بالوفاء لرامبو، في "رسالة الرائي"، حينما طالب الشاعر بأن يكون مسؤولاً عن الإنسانية..كما أنها تترنم ببشارة القصيدة والشعر، لكن في نفس الوقت تغني مع السيدة فيروز"أنا عندي حنين، ما بعرف لمين". ولذلك التقت ايلاف الشاعرة سوزان..  

الشاعرة سوزان عليوان

 

بعد كل عملية حرب أو سلم تعود القصيدة لممارسة طقوسها الاعتيادية في اغرائنا بالقراءة والمتعة. من أين للشعر بهذه المعجزة؟

الشعر لا يحتاج إلى توقف حرب أو إلى عملية سلام كي يوجد و يجد مكانه فينا. فالحياة لا تسـتأذن الجنود أو الساسة كي تستمر. رغمًا عنهم، تواصل وجودها عبر رغيف الخبز و قطرة الماء و القصيدة.

لقد رأيت مؤخّرًا صورة من فلسطين لطفلة تلعب بما تبقى من دميتها وسط خرابة، كانت قريتها... فقلت في نفسي: هذه الطفلة هي الحياة و الشعر بقايا دميتها... الوردة لا تستأذن أحدًا، غير الله، لتنبت من قلب التراب... كذلك القصيدة. هي معجزة دائمة مثلما الحرب واقع دائم. ما سلام شمل الأرض كلها و البشر جميعًا في أية لحظة من التاريخ، و بالتالي فإن الشعر، كالحياة و الحلم و الحب، معجزة في كل لحظة من التاريخ المظلم لهذا الكوكب و ناسه.

 

وهل للشعر امكانيات التأقلم السريعة حتى مع الانترنت؟... لماذا اختيارك للويب؟

مثلما تأقلم الشعر مع فكرة الطباعة، بعد أن مضى زمن المخطوطات، سيتأقلم مع الإنترنت و ما يلي من اختراعات. الإنترنت مجرد وسيلة، نافذة ما... و ليس التطور التكنولوجي خطرًا يهدد الشعر كما يصور البعض الأمر. الخطورة الحقيقة في ضعف الأرواح و ردائتها و تواطئها مع العالم ضد الإنسان، و ليست الآلة سواء كانت جهاز كومبيوتر أو دبابة- سوى أداة خادمة.

لقد اخترت الويب لأنه يتيح وصول الكلمة و تواصل الأرواح، و في هذا انتصار للشعر و الحلم و المعنى.

 

قالت "العولمة" أن لامكان كبير للقصيدة بل للتقنية والاندفاعات المادية. هل يجرؤ الشعر على مبارزة العولمة؟

و الحروب، منذ بداية التاريخ، تقول أن لا مكان للإنسان بل للخنجر و البندقية و الدبابة... هل هذا يعني أن هذه الأدوات انتصرت على الإنسان و ألغت وجوده؟ لقد ربحت في معارك عديدة... لكنها لم تستطع إلغاء الشرط الإنساني في العالم. في كل عصر، هنالك خطر يهدد المعنى. لتقل العولمة ما شاءت أن تقول... ما دام الإنسان كائنًا ناطقًا، الشعر باقٍ و بقوة، و إن اتخذ أشكالاً مغايرة للشكل الذي عهدناه به.

 

كيف "تورطت" سوزان مع الشعر، ولماذا لم تراوغيه لصالح فن او طقس ابداعي آخر؟ وهل كان بامكانك ذلك؟

تورطت مع الشعر في سن مبكر. في السابعة من عمري، بدأت بكتابة أول أشعاري. كنت أعيش في الغربة، بسبب الحرب في بلدي لبنان، و كانت اللغة جسري إلى الوطن البعيد. هكذا، عثرت على هويتي في الشعر و كأنه طوق نجاة في بحر الغربة الهائج.

كنت أرسم قبل أن أكتب، وقد تنبأت لي معلمتي في المدرسة بمستقبل واعد في الرسم. لكنني هجرت الألوان إلى الحروف، لأشبك أصابعي بجذورها. منذ سنوات قليلة، عدت إلى الرسم، لكنني أرسم كما لو أنني تلك الطفلة التي كانت تثني معلمتها على لوحاتها الصغيرة!

لا أعتقد أنه كان بإمكاني أن أكون أي شئ إلا شاعرة. فالشعر بالنسبة لي ليس فعل الكتابة فحسب، بل هو فعل الحياة نفسها.

 

سوزان اسم جميل يرتبط بالتاريخ واللغة ايضا، ما القيمة المضافة التي يمكن لشاعر عربي ان يجنيها من موقعه الطبقي أو الاجتماعي أو الانتمائي عموما؟

رامبو، في "رسالة الرائي"، طالب الشاعر بأن يكون مسؤولاً عن الإنسانية. هذا النداء، للأسف، لم يلبه عدد كبير من الشعراء و الشاعرات، خاصةً في الثقافة العربية، و في عصرنا هذا تحديدًا. عدد هائل من الشعراء و الشاعرات يكتبون من أجل خلاصهم، و هنا الفادحة. فالشعر هو اليد التي تمتد إلى الخنجر بوردة ليس من أجل خلاص صاحبها فقط، و إنما من أجل الخلاص الجماعي. هذا المفهوم للشعر مغيّب و مهمّش و مذبوح في المشهد الثقافي الحالي. ما الذي يجنيه الشعراء و الشاعرات؟ التحقق الذاتي، الشهرة، السلطة الفكرية. ما الذي يمكن أن يجنيه الشاعر، بغض النظر عن موقعه الطبقي أو الإجتماعي أو الإنتمائي؟ أن يشعر بأنه مسؤول عن الإنسانية، أن يكون مسؤولاً عن الإنسانية. مثل هذا الشرف العظيم، لا تناله سوى الأرواح الكبيرة، الواسعة. طبعًا، أنا لا أدعي أنني من ضمن هذه الأرواح، لكنني أحاول باستمرار، في حياتي كما في شعري، أن أكون بمثل هذا السمو، و في هذه المحاولات شرف كبير للروح.

 

ماذا عن طقوس الكتابة والابداع لدى سوزان؟ متى تكتبين؟ كيف؟ وما المشاريع الحالية والمقبلة؟

غالبًا ما أكتب آخر الليل، مع مطلع الفجر. في مثل هذا الوقت، تكون النجوم قد لملمت ظلالها المضيئة لتفسح السماء للشمس، و تكون العصافير قد استيقظت و بدأت تبدد صمت الظلام بأغنتياتها المتداخلة. في مثل هذا الوقت، أجلس إلى مكتبي في غرفتي و أتوحد مع هذه الكائنات النابضة بالحياة. أستمد منها طاقتي و رغبتي في الحياة و الكتابة و الرسم.  لا أستغني عن القهوة المرة و التدخين خلال الكتابة، منذ كتابتي لديواني "شمس مؤقتة".

أحيانًا، أكتب في المقهى. أنفصل تمامًا عن الظلال العابرة و الوجوه و الأصوات و أتسلل إلى روحي. أحب المقاهي. أشعر أنها أكثر احتواءً للروح من البيوت.

بالنسبة لمشاريعي الجديدة، فهنالك أفكار كثيرة لم تتضح ملامحها بعد. عمومًا، أنا لا أنظر إلى تجربتي الشعرية على أنها مجموعة من المشاريع المتتالية، بل هي مشروع واحد متواصل، مشروع حياة قبل أن يكون مشروع كتابة.

 

نقرأ أشعارك بنفس واحد فهل تكتبينها بنفس الطريقة؟

الروح التي أكتب بها واحدة، لأن تعدد الأرواح يعني أن أكثر من شخص يقوم بكتابة قصائدي، أو أنني مصابة بسلسلة من الإنفصامات الشعرية! روح الشاعر واحدة دائمًا، باستثناء بعض الشعراء العمالقة الذين كانوا يخترعون أرواحا عديدة يكتبون بها، و على رأسهم فرناندوا بيسوا و أنداده. أما بالنسبة للنفس الواحد، فإنني أختلف معك في الرأي. مجموعاتي الشعرية لا تشبه بعضها البعض إطلاقًا، خاصةً على مستوى البناء الشعري و اللغة. "شمس مؤقتة" مجموعة مختلفة تمامًا عن "ما من يد"، و "كائن إسمه الحب" خارج السياقين. أعمالي مؤرقة دائمًا بالهم ذاته، الهم الإنساني، لكنني لم أكتب قصيدتين بنفس الطريقة أبدًا. 

 

شبكة الانترنت تفترض كل شيء بما في ذلك الهويات والأوطان..ماموقف سوزان من المقولتين التاليتين: الوطن الافتراضي والمواطن العالمي؟

ليس الوطن افتراضيًّا على الشبكة فقط، بل هو "خرافة" في الواقع أيضًا! الأوطان الجغرافية أساطير من صنعنا. وحدها أرواحنا أوطاننا الحقيقية.

أما بالنسبة للمواطن العالمي، فهذه أكذوبة كبرى. أتخذ نفسي مثالاً. في دمي، تجري دماء عديدة. أبي لبناني، أمي عراقية، جدتي لأبي رحمها الله- تركية، جدتي لأمي إيرانية. بالتالي أنا إبنة الثقافة الإسلامية و العربية. لكنني ربيبة الغرب. عشت في أوروبا أكثر من نصف عمري و تخرجت من جامعة أمريكية. هل هذا يعني أنني مواطنة عالمية؟! المواطن المحلي مفقود، خاصةً في بلادنا العربية، فما بالك بالمواطن العالمي!

كل هذه شعارات مفرغة من دلالاتها، و هي مسائل لا تؤرقني على الإطلاق. تجاوزتها إلى ما هو أسمى و أرقى: الشعر.

 

لو طلبنا منك تحقيب وجودك البيولوجي والمعنوي بهذا العالم، فمن أي "جيل" أنت؟

أؤمن بفرديّة الإنسان، فنحن البشر كبصمات الأصابع، لا نتطابق أبدًا.

عمومًا، أنا من مواليد السبعينات، "جيل ما بعد النكسة"، إن كنا نتحدث عن الأجيال، و من "جيل التسعينيات" إن كنا نتحدث عن الأجيال الشعرية. لكنني لا أحب هذه التسميات، لأنها تشعرني بأنني ضمن قطيع، و أنا إنسانة و لست خروفًا يجز صوفه.

 

لو طلب منك انجاز أقصر قصيدة في العالم، كيف تتصورين ردك؟

الصمت... فهو أقصر قصيدة في العالم، و هو أطول قصيدة أيضًا.

 

ألاتشتاقين لشيء ما؟ ألا تحقدين على أحد؟ ألا يساورك الشك في البشر والحيطان في لحظات ما؟... كيف تقضي سوزان يومها الذهني؟

تقول السيدة فيروز في أغنية رائعة "أنا عندي حنين، ما بعرف لمين"...  كثيرًا ما تردّد روحي هذه الكلمات.

أحن إلى أشياء كثيرة: إلى طفولتي، إلى مقاهٍ ذرفتني مقاعدها دمعة على هيئة إنسان، إلى وجوه بعيدة حفرت ملامحها في الذاكرة و غابت في زحام الناس و الدنيا... النوستالجيا هي الوجه المضئ، الدافئ للفقد.

أحيانًا، أشتاق إلى نفسي!

لا أحقد على أحد و لست أقول هذا الكلام من باب إدعاء الفضيلة، لكنني فعلاً أتجاوز الأشياء و الأحداث و الآخرين إذا طالني الأذى. كي تسمو الروح، لا بد من أن ننقي القلب و الذاكرة من الشوائب باستمرار.

لا أشك في أحد أو في شئ، أو كما أقول في إحدى قصائدي:

"أرجّح الإحتمالات الطيبة لكل السوء الذي حدث

المحبة خدعة

و الحنان مشبوه

لكنني رغم حدة الألم- سأستمرّ في تصديق ما لا أراه"

أقضي أيامي بشكل عادي جدًّا و ألتقط قصائدي من أشد التفاصيل بساطةً. أعيش في حالة تأمل دائم لكل ما يدور حولي في العالم و فيّ. أقرأ كثيرًا، أقرأ الكتب، أقرأ الناس، و أقرأ روحي... كي أكتب الإنسان، بمعناه الواسع، حين أكتب نفسي.

 

 

مختارات من شعر سوزان عليوان

 

مقطع من "شمس مؤقتة"

 

لم نكن نشعر بخشونة البرد

أو بالخفافيش العالقة بصوف معاطفنا

 

كنا نسير

كالتماثيل

مقنّعين بأحجار من كهوفهم

كارثةً لا تعني أحدًا سوانا

 

حملنا الصناديق

و مشينا نحلم

بخشب التوابيت يخضرُّ

يعود أشجارًا نتسلّقها

 

بقلوب صغيرة خبّأناها في الجيوب

كعلب سجائر مجهولة لآبائنا

بخطوات متهدّجة

أنهكتها الرطوبة في أصواتهم

بالمسافة حينًا

و حينًأ بالسعال

نزحنا من وهم إلى آخر

جذوعًا تركل تشوّهاتها في غبار

 

من أين نبدأ

في مثل هذا الخواء الشاسع؟

و إلى أيّ هاوية

سيقودنا الأسف؟

 

العيون لاغية

الأقدام أمطار تتساقط بانتظام مدهش

 

 

قصيدة من "ما من يد"

 

كرسي من قش لا يشعله الحنين

 

وحيد

بقدر ما في البحر من زرقة و جثث

 

في الرمل يغرس أرجله

حالما بالجذور

ململمًا من حوله الأصداف

أصواتًا لا تخفت

 

يسمّونه الغريب

"" لماذا لا يبني مثلنا القصور و يهدمها ؟

 لو اقتربوا من صحراء قلبه قليلاً

لأدركوا أنّه طفل يشبههم

و سألوه عن اسمه

 

ألفته النوارس

بذراعيه استبدلت المراكب و ألسنة الصخر

هنا على الأقلّ

لن يرشّها الصغار بالماء

ستشاهد الغروب

بعينيه الفاضحتين ملحًا و أسماكًا

 

كان من الممكن أن يكون آخر

فزاع طيور في حقل ما

لكنّ اليد التي صنعته

فرضت هذه الهيئة

هذه الحياة

 

 

مقطعان من "كائن إسمه الحب"

 

جسر قديم

:يوبخ قوس قزح

"لا تغتر، يا إبني، بهذه الألوان

كنت أنا مثلك"

 

 

هيكل عظمي

ينحت

ما يتبقى

 

أسنان قليلة

تبتسم

 

 

الحب في ليلة باردة

(قصيدة لم تنشر في كتاب... بعد)

 

ما الذي بوسع ملاك

أن يفعله

في ليلة باردة

كهذه؟

 

بإمكانه

 استخدام هالته

مدفأةً

هو الذي لا يملك من جسده

إلاّ القليل

 

عيناه الصغيرتان

حبّتا كستناء

 (لك الأحلى، لي الدمعة )

 

جراحه

سكّر محروق

لأجل أطفال يتوسّدون آثار المارّة

يلتحفون السماء

تحت المطر

ترتعش أحلامهم و العظام

 

يستطيع أيضًا

أن يخبط جناحيه

نورًا و نارًا

و كأنّه يهمّ بالتحليق

بعيدًا عن هذا الجحيم

 

 

كل جناح عاشق

كلّ خبطة قبلة

توحّدُ وحدتينا

ناثرةً نجومها

ضحكات و حبّات كستناء

لأصابع تمتدّ صوب عناقنا

شموعًا