إبتكار واقع بديل عن العالم

2/8/2001 "حوار أجراه: حسّان الزين - جريدة "السفير

 

اكتشفت، حسمت، قررت سوزان عليوان باكراً، في سن السابعة، انها شاعرة. وباشرت مهمتها، مهمة تحري طفولتها الضائعة، المفقودة، ومهمة العيش في دلتا خصبة تصب فيها انهار من جهة العرق المتعدد: والدها لبناني وأمه تركية، امه عراقية ووالدتها ايرانية... وقد دفعتالحرب التي اندلعت بعائلتها الى خارج مسرحها، الى الهروب بعيداً، الى البحث عن وتد لحيوات اشخاص اقتلعت من منزلها، أبحرت نحو قبرص فالسعودية فتركيا فسويسرا فاستراليا فباريس... وعودة الى بيروت في زمن ما بعد الحرب، لكن القلب لم يخفق ولا الدفء سرى في العروق ولا الأقدام عادت الى دروبها القديمة... ومجدداً دفعها البلد، وطنها الاول، الى الهروب "لكي تحفظ بعضه الجميل... لكي لا ينجح البلد في انقلابه على ذاكرته ومعناه" تقول: وعادت عجلة الهجرة الى دورانها... ففي السابق، ابان الحرب، كنا كأننا نبحث عن مكان أقرب الى لبنان، وعن شرفة تطل عليه... ولكن عندما عدنا اليه بعد الحرب ثم غادرناه، في زمن ما بعد الحرب ايضاً بدا لي الامر اقفالاً لتلك الشرفة على الحديقة الوهمية، من صنع الذاكرة وهوى أمي وهوية أبي".
تروي سوزان عليوان سيرتها مع "وطنها" تحت عنوان "لم يعد قطعة سما... هذا اذا ما كان حقيقة قطعة سما"، تقول: "غادرنا بيروت في صيف 1982 والاجتياح الاسرائيلي ولم نلتحق، انا واخوتي، في مدرسة، كنا ننتظر العودة الى لبنان، حياتنا كلها مؤجلة والعواصم والمدن التي ننتقل اليها كانت كلها أشبه بالاوتيل. فوالدي لا يعمل فيها، شغله في مدن بعيدة يعود إلينا في عطلة الاسبوع... ولم نشعر بالاستقرار... ما زاد من الحمل الذي أثقلنا فيه مفهوم الوطن... وكأن أمثالنا كثيرين. ففي جدة انشئت مدرسة مؤقتة للعائلات التي تنتظر العودة الى ديارها. فحتى المدرسة لم تعد مؤسسة مستمرة بالنسبة إليّ، تحصيل العلم هو الثابت الجوهري. تماماً كما هي الحرب، اعتقد انها حتى اليوم لم تنته، توقف القتال، ولم تخلص الحرب... فالأمور عندما خالوا ان الحرب انتهت صارت أسوأ مما كانت، ولم يكسب لبنان شيئاً. أسمع انه قبل الحرب لم يكن البلد مقسماً... اليوم، بعد الحرب، تشعر انه مقسم قبل ان تخرج من المطار، واذا ما تأخرت بالشعور يتطلب ذلك المسافة الفاصلة ما بين المطار والبيت".
اذاً عادت سوزان في عام 1992 الى لبنان لتلتحق بالجامعة... لكنها آثرت "ألا تبقى، فاتجهت جنوباً، الى القاهرة... وهناك انتسبت الى الجامعة واختارت الصحافة "لأنها اقرب الى الادب. لا اريد ان اعيش في صومعة. احاول الاحتكاك بالحياة لكي لا تزيد المسافة بيننا. لم انتظر ان تمنحني الصحافة قوة... ولم أسعَ لذلك. فأنا أؤمن ان الحياة أقسى من ان يتعامل الشاعر معها، من ان يقدر الشاعر على التعامل معها... الشاعر يقدر على الانسحاب من المعركة مع الحياة... سابقاً كنت أؤمن ان الشعر شعلة تغيّر العالم، وان الشعراء يغيّرون العالم... الآن صار الشعر أضعف الايمان، صار اعتراضاً غير مباشر، او ان يمنحك القدرة على العيش من دون اعتراض".
هكذا ابتكرت سوزان واقعاً بديلاً، افترضته وحصّنته بالقلم، شعراً ورسماً، وبالنقد. فصلابة العالم تحتاج الى نقد لتحصين الهشاشة، تحتاج البساطة وقول البديهيات التي يعكسها العالم ويعقدها. كأن البديهيات والبساطة تعويذة... لمواصلة العيش، لنفترض، بأقل خسائر.
فالشعر هو الواقع المبتكر، المفترض، فيما تغدو شبكة الانترنت، كما الى كثيرين كذلك الى سوزان، هي العالم، او طيفه، او لغته.
ولم تشتغل سوزان في الصحافة. عادت الى بيروت اثر تخرجها من الجامعة الاميركية- القاهرة، ولم تفهم المكان بعد، لم تشعر بالارتباط به. فالعمل، ولا سيما في الصحافة، من فهم المكان والانتماء اليه والارتباط به. وهذا ما لم يحصل، "ربما لأني وجدته عكس ما تخيلت، او توهمت، وجدته قاسياً. لم اتوقع ولم استوعب مشهد رجل مسن يبحث عن طعام في مستوعب القمامة... انه مشهد لا أصدق انه يحصل في لبنان الذي يتغنون فيه، وفي خروجه من الحرب... لقد تهدمت، او تخلخلت الهوية لدي، الهوية الوطنية والقومية. ربينا ونحن نسمع بالعروبة اما اليوم فلا يمكن ان اصدق اكذوبتها. ما هي العروبة؟ ما نشاهده على الشاشة عبر الفضائيات؟ ما هي؟ حتى الايمان كان تديناً وتسامحاً فصار تزمتاً وتكفير او تعصباً. وماذا نفعل اذا ما كنت غير مؤمن بهذه الايديولوجيا او تلك؟
ليس سهلاً على سوزان ان تبحث عن مكان لها في الصحافة، او هي لا تبادر الى العمل في المهنة التي درست. لكنها تندفع لإصدار دواوين الشعر خاصتها. منذ كانت تلميذة في احدى مدارس القاهرة، كتبت القصائد، ودفعتها الى اصدقاء شعراء لكي يقرأوها ويقومونها... قبل ان تنجزها اصدارات خاصة تختلف في ما بينها. "طبيعي ان يكون "عصفور المقهى" الذي أصدرته وانا في عمر السابعة عشرة (1994) مختلفاً عن "كائن اسمه الحب" (مع رسوم 2001). وانا، الى حدٍ ما، ادرك الاختلاف. كأن اكتب "شمس مؤقتة" (1998) وأصدره وهدفي تأكيد جدارتي في كتابة الشعر، وخصوصاً من الناحية اللغوية، ما مهّد لي ان اكتب بحرية اكثر، والاقتراب من مساحة الشعر".
فسوزان عليوان ان لم تكن قد كتبت سيرتها شعراً، فإنها وثّقت علاقتها بالشعر، بالكتابة، بالعالم، وبالاشياء والمكان والناس، وثقت رؤيتها وحساسيتها تجاه هذه العناصر. وفعلت ذلك من الداخل، من داخل الشعر والكتابة... لا من داخل العالم. انه شيء قاسٍ على شاب.