|
هي طفلة عمرها 25 عاماً، وهي امرأة يتجاوز عمرها الزمن. ولدت في بيروت، وعاشت
طفولتها في اسبانيا، ومراقهتها في فرنسا، وها هي تعيش الآن في القاهرة. هي شاعرة
تشبه الى حد كبير وجوه الاسئلة، وهي انسانة اشبه بطيف يرفرف في غرفة الظن. وفي هذا
الحوار محاولة لكشف ما هو مكشوف كما يعتقد جهلنا.
سوزان عليوان، حدثيني عن هذا الاسم، عن موسيقيته، عن تعلقك به، او رغبتك في
تغييره، عن تمثيله لك كشاعرة، او عدمه، عن محبتك له، هل يمكن ان اكتشف معك سر
محبتنا لأسمائنا رغم عدم اختيارنا لها؟
نحن لا نختار اسماءنا، يختارها لنا الآباء تماماً كما يختارون مجيئنا الى هذا
العالم. لكننا ونحن نكبر ونعي بذواتنا نختار لأنفسنا ولأسمائنا امكنة، عن نفسي
اخترت الشعر مكاناً لي ولإسمي.
هل احب اسمي؟ لا ادري.
في الحقيقة لم افكر في هذا الامر ابداً.
لكنني اعرف اني احب المكان الذي اخترته لهذا الاسم، فالورق من الاشجار، والاشجار من
فروع تمتد الى الشمس والهواء وجذور تمتد الى التراب والماء، وبالتالي فإن الكتابة
غرس لشجرة الاسم في صميم الحياة.
ما العلاقة التي تحكمك بصورتك؟ شاهدتها مطبوعة بشكل فني في مجموعتك الشعرية
"مخبأ الملائكة"، شعرت انها قصيدة مكملة للعمل،ت شعرت انها ضرورة، وفي "شمس مؤقتة"
كان يجب ان لا تضعيها... وهو ما فعلته... بنباهة او دون قصد لضرورات الناشر مثلاً،
اود ان تتكلمي عن صورتك، علاقتك بوجهك، بملامحك، هي تجيدين مثل هذا الحديث؟
نحن ايضاً لا نختار ملامحنا، ولكننا نختار كيف نوظفها، احاول دائماً الغاء المسافة
بين روحي ووجهي، لأشبه ذاتي واتطابق معها.
صوري التي جاءت على اغلفة دواويني "مخبأ الملائكة" و"لا اشبه احداً" هي صوري
المفضلة فهي انا ببساطتي وحزني وصدقي! هي سوزان كما تخرج كل يوم الى الشارع، كما
تجلس في المقهى كما تقرأ وتكتب...
لا احب الصور المفتعلة، الاستعراضية!
اما غلاف "شمس مؤقتة" ديواني الاخير "وهو شأن كل دواويني مطبوع على نفقتي الخاصة
بلا ناشر"، فقد تعمدت عدم وضع صورة شخصية لأن البياض هنا بلوحة "ميرو" الطفولية
البسيطة صورتي، سؤالك غريب وجميل...!
لماذا ارى انك احسنت صنعاً بعدم وضع صورتك في مجموعة "شمس مؤقتة"؟ انا شعرت
انني رأيت "سوزان" بشكلها الطبيعي البريء في "مخبأ الملائكة" على فكرة "البراءة لا
تخلو من سذاجة احياناً"، اقصد انك كنت انت في "مخبأ الملائكة" بينما في "شمس مؤقتة"
كنت انت وآخرين... انت وحياة اخرى... انت وتجربة محبوكة، وليست تلقائية "هذا لا
يعني انها ليست مميزة" هل انا على حق في ذلك؟
فعلاً... في دواويني الاولى "عصفور المقهى"، "مخبأ الملائكة"، "لا اشبه احداً"، كنت
اقدّم نفسي كإنسانة، كبنت عربية مغتربة لم تتجاوز اعوامها العشرين تفتتقد وطنها
وتشعر بوحدة وحزن في العالم. اما في "شمس مؤقتة" فقد سعيت لتقديم نفسي كشاعرة، كذات
بين آخرين، كخيط من نسيج البشر والمكان والزمان، وانا معك في ان العمل جاء محبوكاً
على مستوى الشكل والمضمون وليس كتابة طفولية من القلب الى الورق، لا بد للوعي، عبر
الخبرة والتجارب، ان يترك اثراً في نفسي ونصي.
انا الآن – في النصوص التي اكتبها بعد "شمس مؤقتة" – اكتب عن الآخرين! كي تطرح سؤال
الانسان في العالم، ينبغي ان تفرغ مأزق ذاتك اولاً، انه سلم يبدأ بالذات ويصعد الى
الاشكال الاخرى، الاكثر اتساعاً، كي ترى الآخر "كإنسان، كشيء كمكان، كزمان"، بوضوح
يجب ان تكون قد تجاوزت نفسك، الطفل يشعر ان العالم يدور حوله... اما الانسان الواعي
فهو مدرك بأنه نقطة صغيرة في لوحة شاسعة.
رغم ذلك... اقصد رغم رأيي في انك قدمت نفسك "كإنسانة" في "مخبأ الملائكة" ارى
انك قدمت نفسك "كشاعرة" في "شمس مؤقتة"... اود لو تحدثيني قليلاً عن هذه المسافة...
هذه الرحلة... هذا التطور...
انها رحلة طويلة رغم قصر سنواتها... فمن خلال التفتح على كتابات اخرى بالقراءة ومن
خلال تطوير الذات بالتأمل والكتابة سعيت لتجاوز قصائدي الاولى بنص اكثر عمقاً
ونضجاً هو "شمس مؤقتة".
التجربة الشخصية لعبت دوراً كبيراً ايضاً، انني اشكر كل الاصدقاء الذين خانوا محبتي
وطعنوا حناني بقسوتهم، لأنه لولاهم، لما كان هذا النص الاخير "علبة ألوان" الذي
اعتز به كثيراً!
تتحدث المرأة الكاتبة كثيراً عن عقدة الانثى في ما يكتب الرجل، "ليس لديه قضية
سوى المرأة"، بينما اجد ان عقدة الرجل ايضاً متحققة في ما تكتب الانتى، ان مثل هذه
العقدة تملأ الكثير من كتابات كاتباتنا، هل تقفين في صف الانثى بداخلك... وتدافعين
عنها... ام توافقيني في الرأي؟
انا ضد كتابة الرجل وكتابة المرأة معاً... انا مع كتابة الانسان، لا تؤرقني انوثتي
في الحياة او في النص، وهذا يعود الى نشأتي في بيت لا تحكمه سلطة الاب وانما الحرية
المبنية على التفاهم والثقة، تؤرقني روحي، هذه الروح المجردة من الاشكال الضيقة
والتي تسعى لكتابة ذاتها كروح انسانية.
"شمس مؤقتة"؟... حسناً... هل انت متشائمة الى هذا الحد... كيف تتصرفين مع
الظلام المقبل؟ كان يجب ان اسأل: هل هذه هي الحقيقة... ام انك تقفين في صف
المتشائمين السوداويين؟
ليس تشاؤماً انما هو الحزن والخوف والقلق، نحن نعيش لحظة سوداء في التاريخ سواء على
مستوى العلاقات الانسانية او على مستوى السياسة والاقتصاد في العالم، الاصدقاء
خائنون وكذلك الاحلام، الخيبة والخذلان من ابرز سمات هذا العصر، فكيف اكتب نصاً
متفائلاً؟ كنت احلم بشمس دائمة، بالعصافير والفراشات والملائكة، فاصطدمت بالعتمات
في حياتي وببشر يحملون في قلوبهم احجاراً، ولا اظن انني الوحيدة التي تعاني من هذا
الاغتراب والتناقض بين الحلم والواقع!
شخصياً... ارى في ملامح كلماتك... صورة عنك، صورة تقول انك من الذين يجيدون
ممارسة الفرح وقدرة اختيار الاصدقاء وفرزهم بشكلٍ جيد.
احب الفرح، واتمنى ان يكون اصدقائي سندي الحنون في قسوة الحياة، لكن الرياح لا تأتي
بما تشتهي السفن، وان كنت رغم كل ما مررت به... احمل بداخلي طفلة ملونة تهش الغيم
بمظلتها الصغيرة: الشعر!
|