سوزان عليوان شاعرة من مخبأ الملائكة

1/5/1996 "حوار أجرته: بركسام رمضان - جريدة "الأخبار

 

سوزان عليوان... شاعرة لبنانية... أبوها لبناني وأمها عراقية... وهواها مصري. ولدت في بيروت عام 1974، وعاشت طفولتها في ماربيا الأسبانية بسبب الحرب. أما مراهقتها فقد عاشتها في باريس. ثم استقر بها الحال لتدرس الصحافة والإعلام في الجامعة الامريكية في القاهرة التي تعشقها وتجيد لهجتها المصرية حتى ليصعب على الرائي لها أن يتخيل إلا أنها مصرية. صدر لها ديوانان "عصفور المقهى" عام 1994 و"مخبأ الملائكة" عام 1995... وهذه ومضات من ذاكرة متعبة كما يحلو لسوزان أن تطلق على نفسها. فلنحاول معاً أن نبحر في هذه الذاكرة، تقول:

كانت طفولتي حزينة... فالحرب غربتني عن مدينتي الأم بيروت، حيث بيتي ومدرستي الأولى ورفاقي ثم شردتني الغربة في مدنها الرصاصية الكبيرة: ليماسول... جنيف... زيورخ... ماربيا... باريس... علمتني الغربة كتابة الشعر!

في ماربيا الأسبانية... حيث أمضيت سنوات طفولتي، كان البحر مدرستي وكانت شمس الغروب معلمي، وكانت النوارس الملائكية أصدقائي. ولكن رغم جمال الطبيعة وحنانها، كنت حزينة ووحيدة. حتى التقيت ذات يوم خريفي وأنا في التاسعة من عمري بطفل ملون العينين واليدين والقدمين في حديقة منزلنا... كنت أبحث وسط الاعشاب عن زهر "الحميضة" الذي يذكرني بجبال لبنان حينما كتبت قصيدتي الأولى... لا أذكر كلام القصيدة بالضبط... ولكني أذكر أنها كانت باللهجة اللبنانية العامية، وأني كنت أشبّه نفسي فيها بورقة الخريف اليابسة التي أسقطتها الريح وأغرقها المطر وداسها العابرون... ومنذ ذلك اليوم اللامنسي وأنا أعيش من خلال صديقي الجديد (الشعر) أرى الكون بعينيه الملونتين... أصنع الأكوان بيديه... وأحوّل أي درب أمشيها إلى قوس قزح بقدميه الملونتين أيضاً.

خلال وجودي في ماربيا، كنت أدرس اللغة العربية والدين الإسلامي في البيت، كما أني ثقفت نفسي بالقراءة. كنت أقرأ دواوين الشعر القديمة والحديثة التي أعثر عليها في المكتبات العربية القليلة هناك، وذات يوم كتبت رسالة لمجلة تصدر في لندن وأرفقتها بمجموعة من أشعاري الأولى... كان ذلك في عام 1988 وكنت في الرابعة عشرة من عمري ومر عام، وانتقلت إقامة أسرتي إلى باريس ونسيت حكاية الرسالة حتى فوجئت ذات ليلة بعدد من المجلة في حقيبة سفر أبي القادم من ماربيا لزيارتنا. كان العدد يضم أشعاري مع تعليق مشجع... أذكر أني لم أنم في تلك الليلة بل جلست إلى مكتبي الأسود أقرأ اشعاري والتعليق مئات المرات، وأخطط لخطواتي القادمة على الدرب الجديدة.

أمضيت في باريس مدينة حزني وغربتي وذكرياتي الشاحبة أجمل أيام عمري فالشوارع الرمادية والمقاهي النابضة بحزن الغرباء والجسور المضاءة بالحنين وتلك الحجرة المزدحمة بالورق والدمى والأغنيات الحزينة (حجرتي الباريسية) عنواني... أحببت باريس. أحببت جمالها الحزين... وفيها توطدت صداقتي بالطفل الملون (الشعر)... إذ كتبت مئات الأشعار ونشرتها في بريد قراء الكثير من المجلات العربية... ومن خلال بريد القراء، عرفني الكثير من القراء والشعراء... وكنت أطير فرحاً مثل عصفورة بردانة فاجأها الربيع، كلما قرأت قصيدة مهداة إلي بالاسم أو رسالة إعجاب أو كلمة تشجيع أو حتى نقد. كان الشعر يلوّن قلبي الرمادي بأصابعه السحرية ويحوّله إلى أيقونة ملونة داخل كنيسة مظلمة... الشعر وطني وأصدقائي وكل ما أملك... الشعر كوكبي الرائع الصغير في غربة الكون الواسع.

وتقول سوزان: ومرت السنوات، وتخرجت من المدرسة الأمريكية في باريس حيث أصدقاء عمري ومقهى ذكرياتي... وغادرت باريس وجئت مع أسرتي الى القاهرة عام 1992 لأدرس الصحافة والإعلام في الجامعة الامريكية وفي عام 1994 أصدرت ديواني الأول "عصفور المقهى". هذا العصفور المسكون بالغربة يضم بين جناحيه الرماديين جزءاً كبيراً من قصائدي الباريسية ويحمل في عينيه السوداوين تجربتي الطويلة مع الغربة... وهو أصدق ما كتبت فكل من قرأه شم في صفحاته عطر المطر والقهوة والتبغ والغربة الباريسية الحزينة.

مولودي الثاني "مخبأ الملائكة" الذي صدر مؤخراً يضم قصائدي الجديدة ومعالجتي لتجربة الغربة. سعادتي بالديوان الجديد لا يصفها الحبر على الورق... فهو جنيني... كتبته بدمي وأعصابي وعمري وأودعت عينيه الحزينتين كأطفال هذا الكوكب الحزين، أغلى ما أملك من مشاعر وذكريات.

وما زال في حقيبة سفري... رفيقة الرحيل والسفر والشتات الكثير من القصائد...