الحياة والشعر على منعطف واحد

20/10/1998 "عناية جابر - جريدة "السفير

 

شعر سوزان عليوان يرتبط حضوره التراجيدي بابتعاده عن الخفة، وفي صدوره عن حاجة داخلية فعلية، مشغولة وتحمل إضافات. اللغة عندها، صنو الحالة المحاطة بالشروط الإبداعية. وقصائدها تحفل بالجهد الذي يبدو جليًا، في سبيله إلى تخطي تجربة سابقة، بدت استهلالاً بسيطًا لدخول الشاعرة عالم الشعر الجميل والقاسي في آن.

ينبغي لكل شعر، يريد تحقيق التفوق والمجاوزة، ألا يقع في ماضيه، غير مبارح ولا عارف عثراته وشوائبه. هذه ليست دعوة للتبرؤ من ماضيات كتاباتنا، والتطهر منها، بل لمزيد تبصر في ما هو حقيقي وما هو زائف، يحتاجها الشعر ليغدو أحلى الكلام. سوزان عليوان فازت في نقلتها الجديدة "شمس مؤقتة" بما يستوجبه الشعر فعليًّا، والمتراوح بين تكثيف القول، ورقته الداخلية.

شفافة، تحمل ألمها طافحًا في كل قصيدة من قصائدها، وكأنها، الشاعرة، لا تريد نظيرًا لهذا الألم الحلو والمرارة الشفافة في قصائد لغيرها. وهي لا تسف ولا تغالي، في دأبها نحو بناء عالم خاص بها، مع ذاكرة شعرية أمينة لمكتسبات وقراءات كثيرة.

 

عاديات

 

تخوض قصائد عليوان في الشأن الحياتي العادي، وتلتقط تعابيرها من فضاءات يومية. هذه العاديات يحكمها الرفض، الذي يشكل خلفية القصائد بالكامل. غير أن الرفض لا يتبدى استعراضيًا في الكلام، ولا يقع مجانيًا في الصورة الشعرية، بل في ذلك النواح الخفيض الذي نسمعه، وتلك الانكسارات التي نلمحها متلطية خلف البوح:

"من السقف الذي تسنده يد التثاؤب

لئلا يهبط الكابوس المتكرّر

كعنكبوت

متشابكًا بأصوات تخفت

تتدلى حبال دون جثث

نغلق أهدابنا

كما في الموت

كما في دخولنا هذه الحجرة السوداء

حيث وسادة فقدت النوم

وخزانة عارية

وكرسي يجلس في ركن

مأخوذًا بجدار خامس" ص 15

توأمة الحياة والشعر، تظهر جلية في مجموعة عليوان الثانية "شمس مؤقتة" بعد استثمارها مجموعتها الأولى بشكل صحيح، أي قراءتها بعين نقدية مهجوسة  بتحقيق قفزة نوعية. وهذه قضية تتعلق برأيي بالذائقة الشخصية للشاعرة التي احتاجت مسافة تأمّل واعية، لم تفقد معها صوتها الداخلي الشفيف، ولا رقّتها، ولا تشكيلاتها غير الخاضعة إلى الفكر وحده، بل الأحاسيس أيضًا التي طوعت صناعة الكلمة عند الشاعرة، من دون أن تلعب دورًا معوقًا على صعيد بنيان القصيدة في قوالب تشكيلية مع تلك الفكرية اللازمة.

 

مطابقة

 

تغيب الضبابية عن شعر عليوان، لأن محاولتها تنسجم مع طموحها في كتابة شعر يرى إلى الحياة من مطابقتها، والتلوين عليها عبر أسلوب واحد. بدون أن يعني ذلك بالضرورة رتابة وقصورًا في قصيدة أضحت على مسافة قريبة من هيئتها النهائية.

تقف سوزان عليوان وقفتها الثابتة عبر مجموعتها "شمس مؤقتة" حيال السائد –إلا نادرًا- والمبتذل. كما تعد بالارتقاء بالشكل والمضمون. ثم أنها لا تلعب دورًا سياحيًّا في قصيدتها، بل تمعن في الانتماء إليها من دافع توليدي لحركات شعرية جديدة.