خائفة تطارد أوهامها وتمجد ضعفها الأنثوي

19/10/1998 "جمال القصاص - جريدة "الشرق الأوسط

 

تحتفي سوزان عليوان في مجموعتها الشعرية الجديدة "شمس مؤقتة" بلحظات الطفولة الشاردة، وتتراءى هذه اللحظات كحلم نزق، لا يكف عن الروغان في مرآة واقع مهشّمة، لذلك تعلن صراحة في إحدى القصائد: كل ما حلمت به خذلني – وكأنّ قدميّ الصغيرتين مخلوقتان للانزلاق.

وأمام قسوة هذه اللحظات وأصدائها اللاذعة يتحوّل هذا الحلم إلى إحساس دائم ومر بالوحشة والفقد والفراغ، وفي الوقت نفسه، يبدو العالم كسحابة راكدة لا تمطر سوى ضحك حامض، وحقد يرتعش على أطراف الأصابع، والحنين إلى لحظة تمنح اللوحة –المعادل الرمزي للوجود- ألوانًا أخرى، أقل قتامة، وأكثر إشراقًا وصفاء.

ويمتزج هذا الهم الذاتي المليء بالشجن والسأم برغبة مكبوتة في التحرّر والخروج من شرنقة الواقع المحبط، لكن هذه الرغبة تقف دائمًا على حافة التمرّد والرفض. فالشاعرة تمجّد ضعفها الأنثوي، وتنحاز إليه، وتهدهده –أحيانًا- كترنيمة تتحصّن بها الذات من تناقضات الحياة، ومتاهة الآخر الذي يتلون كل يوم بأقنعة مختلفة، لذلك تصف نفسها في إحدى القصائد قائلة:

"كجذع هجرته العصافير

أقف وحدي

أكسر حدّة الفراغ

بقامة ضئيلة

وأصد الرياح المنهكة

عن ظل يتطاير

ولا يلامس أطراف المطر"

وتتلبس معظم قصائد الكتاب حالة من الترصد والخوف: الخوف من الذات، الخوف من الآخر، الخوف من الحب، الخوف من الليل والشمس، الخوف من القصيدة نفسها. ومن ثم تتحوّل الحياة إلى خدعة كبرى، وتتوهم الشاعرة جثتها مدلاة كطائرة ورقية وسط هذه المخاوف التي تتأرجح كظلال لأشباح تخترق الجدران وتحاصر أحلامها الشاردة في السقف الشاهق كصرخة جبل. في هذا الجو السوداوي يتحول الوجود إلى محض خواء ومقبرة، تصنعها حبال المشانق وجثث الميتين، ويصبح الحلم مجرد وهم ظل باهت لشموس عابرة، تلوح أحيانًا ببهجة مستعارة.. وهو ما تجسده حين تقول:

"رغم هندسة الحنان في مكعّبات السكّر

أتفكّك

عن خلفية الرموز وأطفال الورق

عن الزجاج المغبر في سنوات دهست براءتي

مثل شاحنات ثقيلة"

وبرغم هذا الجو القاتم الذي يغلف معظم قصائد الكتاب، إلا أنها تشف عن سلاسة في التعامل مع اللغة، ووتشكيل الصورة الشعرية، والوعي بطبيعة الدلالة والمفارقة والرموز، وإيقاعات المشهد وأبعاده الصورية والداخلية. كذلك تتخلص القصائد –إلى حد كبير- من الترهل السردي والغنائية الساذجة التي سادت مجموعتها الشعرية الأولى.