|
ترتكز القصيدة التي تكتبها الشاعرة سوزان عليوان في مجموعتها الشعرية الجديدة "شمس
مؤقتة" على خيارات جمالية وأسلوبية، مصدرها منبعان اثنان: أولهما الشعر المصري
المكتوب في عقدي الثمانينات والتسعينات، إذ تستفيد الشاعرة من تشكيلاته الجمالية،
وتحتفي بالحسية مبتعدة عن العاطفية، معتمدة البساطة في استعمال اللغة من دون أن
يكون لديها أي هم لا بمقارعتها ولا بنزالها. وثانيهما الشعر اللبناني ومنه تستلهم
منجزات القصيدة اللبنانية، بتوخيها الحذف، والتنقية، والتجريد، فضلاً عن اعتمادها،
أحيانًا، التقنية والقوانين الداخلية، لقصائد بعض الشعراء وخصوصًا الشاعر عباس
بيضون في ديوانه "خلاء هذا القدح". لكننا إذا ما نظرنا في طبيعة القول الشعري الذي
تتوسله الشاعرة نجد أن استفادتها واستلهامها الطبيعيين والمبررين، محددان ضمن أطر
جمالية معينة، فالشاعرة التي تبدأ الكتابة من منطقة تعبيرية متقدمة، أدخلت هذه
الجماليات التي امتصتها ضمن الأبعاد العميقة لقولها الشعري وحوّلتها إلى منجز شخصي،
هذا من جهة.
من
جهة ثانية تفترق الشاعرة كثيرًا، في اختيارها لموضوعات ومناخات قصيدتها عما يكتبه
كثيرون في الأجيال الشعرية الجديدة، حتى لتبدو هذه المناخات والموضوعات خاصة بها
وحدها.
تستعيد الشاعرة في قصائدها ذكريات الطفولة، عبر راوٍ يبث صورًا موازيًا بعضها للبعض
الآخر، ومقدمًا إشارات مستمرة عن الماضي الطفولي: القصائد (من 1 حتى 18). لكن
الراوي الذي يتحدث بلسان جماعة معينة هي الأطفال لا يهدف إلى التشخيص بل على العكس
من ذلك يحفر عميقًا تحته. والشاعرة سرعان ما تسلم قياد القول الشعري إلى ضمير
المتكلم المفرد، في عملية تؤكد الحضور القوي للذات الفردية، المنسلّة عن الجمع.
تغربل الشاعرة مشاهد وإشارات الماضي الطفولي، وتقطره في القول الشعري مازجة هذه
الذكريات ضمن كيمياء لغوية لا تخفي أبدًا هم الاعتناء بطبيعتها. يظهر ذلك من خلال
التشذيب والاختزال الخفيفين والمجاهدة، في صوغ قصيدة منظمة وذات شكل فني متين، مع
إبقاء القول الشعري محافظًا على الحرية في تنفس جمله وعباراته، دون توخي أي قسرية،
يمكن أن تؤدي إلى اختناقه. وترسم الشاعرة صورة الذات، وتفاعلها مع محيطها في حركة
انتقال دائم من الخارج إلى الداخل وبالعكس. ويشكل –هنا- سؤال الطفولة بؤرة أساسية
تستغرق القصائد كلها تقريبًا. نقرأ في القصائد سيرة الطفولة المعفّرة بالتراب
والأسف، من خلال صورة العائلة المشروخة، بالضجيج والنزاعات، إذ تنير الشاعرة وترتكز
على الصراخ الذي تقوم عليه أركان هذه العائلة، الصراخ الذي يعمي ويطمس ويشل حركة
القلب والعقل: "كأن الذين يسكنون الصراخ – ليسوا آباءنا" ص 7، "لا غربة أشد من
أصواتهم في النزاع" ص 9، "بأسنان حادة كأصواتهم" ص 9، "البيوت التي يعلو بعواميدها
الصراخ" ص 14. في هكذا فضاءات تنمو الطفولة، الأمر الذي يؤدي إلى خراب الحنان، دافع
الطفولة الأول، والبراءة السمة اللصيقة بها.
لا
تضيء الشاعرة الماضي الطفولي الحزين فحسب بل ترصد الحاضر، لتكشف أن انفلات الذات من
شرنقتها وخروجها بعيدًا عن العائلة، لم ينقذها من الوحدة. فالأصدقاء يشكلون مصدرًا
جديدًا من مصادر الخيبة، والألم بسبب تشوّه العلاقات وهشاشتها وخلوّها من المودة
والمحبة والصدق.
لذا
يغيب الفرد الوجودي الذي يمكن أن يجيء من هذه الجهة أيضًا: "ما عنصر المفاجأة – في
تفكك جمعتنا – وتحلل الشموس المدلاة من الأعناق – إلى سوائل حامض" ص 21، "تلك
الجمعة المفككة – رغم الجلسات التي توحدنا وغابة النراجيل" ص 42، "بترت أصابع اليد
الواحدة التي كنت أحصي بها أصدقائي" ص 24، "ما من رفاق في هذا البلد البعيد يوسعون
الروح والأمكنة" ص 38.
يتجاور في القصائد القاموس اللغوي المستل من الطبيعة (العصافير، الأشجار، الغيوم،
الغابة، السماء، البحر، الرياح.. إلخ) مع مفردات الطفولة وعناصرها (طائرة ورقية،
مقاعد، حقائب المدرسة، المدرسة، الباصات، أطفال، مختبر المدرسة، قصائد المدرسة...
إلخ) لكن هذا القاموس اللغوي الذي يشكل فضاء رومانتيكيًا شفافًا، يبدو في أغلب
الأحيان مبطنًا بالكابوسي وبالرؤية الارتيابية المذعورة من العالم. إذ لا قوة للذات
على مقاومته، ولا حتى على المصالحة معه، وهذا ما أدى إلى ذهابها إلى المصير النفسي
التراجيدي، نتيجة لاصطدام منظومة القيم والمثل الجمالية التي تحتفي بالبراءة
والنقاء والصدق مع الذات والعالم من جهة، مع وحشية الخارج التي تقوض هذه العناصر
الطفلية من جهة ثانية. لذلك نجد أن الصور الحسية اليومية كثيرًا م انجدلت مع الصور
الفنتازية، ورهافة القول الشعري ونضارته مع قسوة الخارج المتناول.
وعمومًا يتشكل في القصائد فضاء شاسع للفراغ والخواء ولعل التكرار الكثيف لمفردتي
الخواء والفراغ، يحيل على عمق الهوة الفاصلة بين الذات والعالم: علوها وسموها مقابل
الآليات القهرية المسلطة من قبله عليها. وهذا ما ينقلنا بالتالي إلى استنتاج تشظي
سياسة الوجود الشخصي بحد ذاته: "الخواء ضيّق" ص 38، "يدي المعلقة في خواء" ص 39،
"الفراغ المباغت" ص 3، "هذا الخواء الشاسع" ص 6، "رؤوسنا للفراغ" ص 20، "أكسر حدّة
الفراغ – بقامة ضئيلة" ص 29، "لا شيء، لا أحد سوى هذا الفراغ الأسود" ص 36. إن
اكتناه الخطاب الشعري وكشف ديناميته الداخلية يحيلنا على عدم ولع الشاعرة بالتمهيد
داخل القصيدة للوصول إلى الرعشة الختامية بل نجد أن الشعرية موزعة على كامل
القصيدة.
وبرغم اعتمادها على السرد أحيانًا، إلا أن النثر ظل محكومًا بالفراغات الدائمة بين
المقاطع، مضافًا إلى ذلك عمليات البتر وقطع العبارة، كلما قاربت أن تصل إلى
نهايتها، لكن سرعان ما تنوصل من المنقلب الآخر لانقطاعها حتى في الحالات التي عمدت
فيها الشاعرة إلى التدوير، والامتداد الأفقي للكلام. تظل ممسكة بخيط القصيدة
وهندستها وتحريكها في الاتجاهات جميعها.
يمكن
الإشارة أخيرًا إلى غياب الشكوى والأنين والندب عن القصائد وغالبًا ما يصادف ذلك
لدى الشاعرات العربيات، ليحل محله وهم آخر أكثر عمقًا وهو استبطان الفضاء الوجودي
للذات الأنثوية بكامله بإضاءة أكثر اللحظات الداخلية انجرافًا، وصدامًا في العلاقة
مع العالم الخارجي، بعيدًا عن الصورة النسوية القشرية والسطحية التي تميّع شؤون
الذات الأنثوية قبل أن تذهب بالشعر. |