العالم في غرفة سوزان عليوان الصغيرة

(علي الصافي - جريدة "الرأي العام" (التاريخ مفقود

 

تعبر سوزان عليوان كطلقة واحدة وحيدة في فراغ ضيّق.

ذلك أنها تنضد نصها الشعري، بعد أن تصفيه من الشوائب، لتتركه ينساب برشاقة، سالكًا طريق الروح، عابرًا إلى الشعر، رغم نثريته الواضحة.

المكان بأشيائه حاضر محتشد في عين الشعرة سوزان عليوان التي تلتقط متناقضاته، وتهذبها، بلغة بسيطة سلسة، دون خوف أو ارتباك أو أنّة.

وهي إذ تهذب تأثيث المكان، في القصيدة، فإنها تهذب الروح الشعرية التي ترى الأشياء بعينها من زاوية محدّدة ومحسومة –موقتًا- فتكتب عن نفسها وأشيائها وما يحيط بها، كما هي لوحة الغلاف (للفنان خوان ميرو).

الوحدة تملأ الفراغ، هذا ما يشي به خمسة وثلاثون نصًّا شعريًّا، منفصلاً-متصلاً ببعضه، لا يجمعه عنوان واحد، إنما هو تحت سقف "شمس مؤقتة" كما جاء في عنوان المجموعة الذي ارتأته سوزان مدخلاً لأمل في شمس باقية فوق السقف والحوائط والغربة والظلام والفراغ، حتى لو كانت مؤقتة.

وكأن سوزان عليوان تجيء بكل العالم إلى غرفتها الصغيرة. ورغم احتشاده في الأشياء والرموز، إلا أن الفراغ يباغت المكان والروح، فتلجأ إلى هدم الغرفة بالشعر الذي يؤثثها ثانيةً، كما ترتبه.

كل منّا حائط

وظل

ولوحة خاصة بحالته

يشرد بين زواياها طويلاً

كأن المرسم الكامن في مدينة لم يمر بها قطارنا

كان يطل علينا

تحت شجرة لوّثنا رئتيها بالسجائر ص 17.

وتتضح معالم الغربة والوحدة عند سوزان بمفرداتها الناتئة من داخل النص، حيث ينهمر "الصراخ، البرد، الضجر، الدخان، الرتابة، الغزلة، والملل".

لكنها تفح حوارًا مع ما مر بها في المدن والأمكنة (المكان، الفراغ المباغت، الحوائط، السقف، الأبواب، الوقت) لتجدد أدوات الحوار ودلالاته فتمنح "القلوب الصغيرة والمعاطف والأصابع والأقدام" على سبيل المثال لا الحصر هوية جديدة (العيون لاغية. الأقدام أمطار تتساقط بانتظام مدهش) ص 6.

وتسرد الشاعرة التي أصدرت مجموعتين شعريتين، الأولى "عصفور المقهى" العام 1994 والثانية "مخبأ الملائكة" العام 1995، مفارقات غريبة، كغرابة حياتها، حيث أنها ولدت في بيروت العام 1974 من أب لبناني وأم عراقية وعاشت طفولتها في ماربيا الإسبانية، ومراهقتها في باريس، ودرست الصحافة في الإعلام في الجامعة الأمريكية في القاهرة.

تحت مطر من شجر في السماء

سأقف

جذعًا ميّتًا

نحتَتْهُ

ليصيرَ أنا

ريحٌ

في خشبه نفخت روحها ص 43.

تسرد حياتها كشريط سينمائي من دون حذف، فمنذ "مغادرتها المكان" مرورًا "بأبواب أغلقناها على خلافاتهم" نحو "غربة أشد من أصواتهم في النزاع" و"الدمع المنسكب في تراب" و"المغروسون في الحرمان"، مسترجعة أشكال الهيكل العظمي في مختبر المدرسة، والأمكنة الضيّقة، والبنايات المطفأة، والجذع الذي هجرته العصافير والجرذان المتربصة بالزوايا.

وتنتقل من شارع لآخر وحيدة بلا أصدقاء، ترجّح الاحتمالات الطيبة، والانتقادات الحنونة، واللاذعة أحيانًا، خصوصًا إذا مرّت على شريط الذاكرة القديمة والطفولة المعلقة بالأخطاء، ورغم ذلك كله تبقى هنالك "شمس مؤقتة".

لن نألف الضغينة التي تجمعنا

وأقدامنا المثبتة في دائرة

لن تطأ هذه العتمة ثانيةً

ربما، بعد أيام قليلة

نعود بلا شمس إلى المقهى

بلا عصافير على الحواف ص 13.