|
في
خصوصية وثقة تكتب الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان المقيمة في مصر، بكثير من العذوبة
والألم أيضًا تكتب. في مجموعتها الأولى هذه لا تتردد لغتها في فرض ذاتها مستقلة
تنضج منها تجربة شخصية نقلتها إلى الورقة بشفافية وتكثيف، في أسلوب مختزل ينم عن
براعة في التعبير وعن متانة في السيطرة على اللعبة.
عليوان تأتي من منطقتها الخاصة، من تجربة طاغية في الصميم لتقدم إلى القارئ قصيدة
متمكنة من حيث صوغ الموضوع والتشكل معًا، وكأنها عرفت منذ البداية من أين تؤخذ
اللغة وكيف التوغل في متاهاتها.
عرفت
عليوان كيف الامساك باللغة والتحكم في اللعبة الكتابية وكأنها المتمرسة على هذا
الفعل الصعب، المتمرنة على تضاريس هذا العالم الكله تجاويف ومنعرجات. وإذا كانت
قسوتها بارزة ولافتة، تلك القسوة الجميلة، ففي طريقة تكثيفها الألم وتحويله صورة
براقة فيها من السلاسة بقدر ما فيها من العمق. فاللعبة عندها إيماءات وإيحاءات
متوهجة، متقدة، اللعبة لديها كيمائية-ميتافيزيقية، حيث سرعان ما تنتقل الكلمة
(وتختمر) من الجسد المباشر إلى انعكاساته الكثيرة كأن تقول "تذكّرنا الحانة التي
احتوتنا وليلاً كان يربت على أكتافنا المتكلسة كلما أحنينا على الخشب ظهورنا". ونرى
أيضًا كيف برعت عليوان في تصوير الألم الكبير إذ تقول "ربما، بعد أيام قليلة، نعود
بلا شمس إلى المقهى، بلا عصافير على الحواف".
آسرة
ومؤثّرة عليوان في كلامها المقتصد، الململم، المشذب والأليم، "كان علينا أن نكون
أكثر صلابةً وبياضًا،كأننا الحوائط التي تكوّن الزوايا وتسند السقف والظلال"، "كان
الحنان أول من سقط منّا، كان الليل أطول من أذرعتنا في العناق"، "كل ما تركته على
الحبال، القمصان وتلك الجثث المزرقة"، "كجذع هجرته العصافير، أقف وحدي، أكسر حدّة
الفراغ، بقامة ضئيلة"، "إنني الآن على الجانب الآخر. عبرت حياتي حيث لا شيء، لا
أحد، سوى هذا الفراغ الأسود"، "على الرصيف المقابل، شبح ذلك المقهى. دُوريّ على
كتفه الأيمن يحدق في ظلي. غبار السنوات بيننا. منه، يولد المكان ثانيةً... الباب
الخشبيّ الخشن... السقف موت ملوّن، معلّق في الخواء، يظلّل رأس الشبح ودهشة
الدُوريّ على الرصيف المقابل".
جديرة بأن تُقرأ سوزان عليوان، أن تُقرأ بشاعرية وشغف! |