شمس دائمة

24/10/1998 "عقل العويط - ملحق جريدة "النهار

 

يغمرني وأنا أقرأ كتاب "شمس مؤقتة" لسوزان عليوان إحساسٌ بأني مخترَق بالشعر، وبأن هذا الشعر جميل ومتغلغل في الداخل البعيد، وبأن المقاطع الخمسة والثلاثين التي يتشكل منها هذا الكتاب (47 صفحة) إنما هي لحظة شعرية نضرة تملك من الصفات ما يجعلها تستخق أن تصبح حياةً كاملة بين أيدينا وفي قلوبنا وأعيننا ورؤوسنا كشعراء وقراء.

وإذا كان هذا الإحساس لا يتصل اتصالاً منهجيًّا بالعملية النقدية من حيث كونها قراءة دقيقة تقوم على أسس واضحة في خصائصها ومعطياتها، إلا أنه يصعب تكذيب مثل هذا الشعور على الصعيد الذاتي وصلته بمعنى الشعر وجوهره. فهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقراءة الحدسية التي تشكل في بعض الأحيان مدخلاً حقيقيًّا إلى النصوص والأشياء والكائنات الجميلة، وهو على صلة وثيقة بالعالم الذي يحلّق في فلك الشعر، ومنه يستقي خيوطه "النقدية" و"معرفته" بأنه يتخطى الشعور إلى ما يشبه نوعًا من اليقين، هو تاليًا مزيج من الذاتية والموضوعية في آن واحد.

أدخل إذًا إلى قراءة سوزان عليوان من هذا الموقع، حيث لحظتها الشعرية النقية والعميقة تصبح جزءًا من لحظة يعيشها القارئ وبعضًا من هوائه وفضاء خيالاته،  حيث هناك تتحوّل القراءة نوعًا من "التواطؤ" لا مفرّ منه. يشعر القارئ بأنه معنيّ بل متورّط، لا في الندم لكن في عكسه تمامًا. كأن هذا القارئ ينتقل إلى ما يمكّنه من أن يكون خيطًا في نسيج العالم الشخصي والشعري حيث "كان علينا أن نكون أكثر صلابةً وبياضًا – كأننا الحوائط التي تكوّن الزوايا – وتسند السقف والظلال" ص 4.

من هذه الهشاشة اللافتة التي تمنح القارئ الشعور بالزوال والمغادرة والخلو والفراغ يكمن مباشرةً مشوار الكتاب وفهم المعنى الذي كان على الأصابع فيه "ألا ترتعش" و"على الوقت أن يمهلنا قليلاً" لأجل أن تكون لحظة الحياة ملوّنة بغير "قتامة ملابسنا" ص 4. وهي هشاشة شعرية تامة يتلقاها القارئ مثلما يتلقى الهواء ذاته، بل ومثلما يخترقه هذا الهواء اختراقًا يصعب العثور على الحياة بدونه. أعني أنها هشاشة وجدانية وروحية تضع الكلام في بؤرة الشعر، في قلبها، وفي دموعها، بحيث لا ينقصها سوى أن تشقّ سيرها، ولو محمّلة جروحها وآلام النزوح.

وفي هذا المسير الذي تبدأه عليوان، يصير الشعر متخلّصًا من اليومي والتفصيلي. يصير أشدّ التصاقًا بالنسغ، أي بما يجعل الكلام محرّرًا من زواليته. وكلما انساقت الجملة وراء نوع من السرد، تروح الشاعرة تُبطل إغراء السياق الدلالي لمنطق الجملة، باحثة عن تحليق يقي شعرها مشقّة أن يفسّر المآل والمصير. وهو بحث لا يعتريه اجتهاد مصطنع، بل يأتيها بهدوء ذكيّ و"رباطة جأش" يشبهان الشعور بالقتل الذي يعيشه القتلة المحترفون ويمارسونه. هنا خروج على البعد الأفقي. هنا تحويلٌ في الخط الذي تشقّه الجملة الشعرية بحيث لا تصل إلى مكان معهود أو إلى محجة يلتقي فيها العابرون وأهل السبيل. ولأجل ذلك تكتب عليوان من المطرح الذي ينتفي فيه الشعور بالبرد أو "بالخفافيش العالقة بصوف معاطفنا" ص5. صحيح أن المكان يغادر ويُخلي موقعه للفراغ المباغت، لكن ذلك مدعاة للمسير المجهول الذي يحف به الحلم، حيث الشائرون مدجّجون "بقلوب صغيرة خبّأناها في الجيوب – كعلب سجائر مجهولة لآبائنا" ص 5. إنه النزوح، غير أنه نزوح من وهم إلى آخر، لا من وهم إلى حقيقة، ولا من بحر إلى ميناء. لكن "من أين نبدأ في مثل هذا الخواء الشاسع؟"، تسأل الشاعرة، "وإلى أي هاوية سيقودنا الأسف؟". لا شك في أنها "كارثة لا تعني أحدًا سوانا".

ولا عجب هنا إذا كانت الشاعرة تبدأ كتابها من الخلاء. فالخلو هو الذي يتيح للأشياء أن تأخذ مكانها أو أن تخلق لذاتها المكان. وهذا الخلو الذي ينجم عن "المغادرة" و"النزوح" و"العبور" ليس وقفًا على المكان المغادر والأشخاص الذين ينزحون، بل يطاول الشعر، وهنا جوهر هذه اللعبة التي لا تنفك سوزان عليوان تردادها وطوال صفحات الكتاب. فقد "رأيت قصيدتي تغادرني" ص 35، تمامًا مثلما قالت في الصفحة الثالثة "كالمكان، كمربّعات الإسمنت والمقاعد". هذه المغادرة تتيح للشعر أن ينجو وأن يخلص من ربقة الحسي والزائل، بل ومن ربقة الملكية الشخصية والمصادرة. فالشعر حرّ ولا يستسلم لموت كاتبه، بل يغادر "روحًا تحلّق فوق الجثة" ص 35. وفي هذا التحليق ما يؤكد العلاقة القائمة داخل الذات الكاتبة بين الشاعرة وقصيدتها. إذ لا بدّ من موت، وهو موت الشاعرة، ولا فرق إذا كان هذا الموت في البقاء أم في النزوح والمغادرة من وهم إلى وهم. لكنه موت حقيقيّ شعريًّا، إذ "نغلق أهدابنا – كما في الموت – كما في دخولنا هذه الحجرة السوداء – حيث وسادة فقدت النوم – وخزانة عارية – وكرسيّ يجلس في ركن – مأخوذًا بجدار خامس" ص 15.

الشعر، هو هذه الروح المحلقة فوق الجثة، التي سرعان ما "تتجه نحو النفق" ص 35، لكنه توجه لا يلغي التحليق بل يعزّزه بالمتاهة، حيث، عندما تكون الشاعرة "على الجانب الآخر" وحيث، عندما تعبر حياتها تكتشف لا شيء ولا أحد "سوى هذا الفراغ الأسود" ص 36.

إذًا، شعرها موجود خارج الأحجام الحسية للأشياء، كأنه في لا مكان. أي أن عليوان تؤسس لذاتها الشاعرة حياةً تولد من "المغادرة" حيث "الفراغ المباغت يفرض تأثيث الأرواح" ص 3.

لكنه نزوح إلى مدينة ما. صحيح أنها ليست مدينة الشاعرة، لكنها مدينة موسومة بـ "الخواء الضيّق" حيث "ما من رفاق في هذا البلد البعيد يوسّعون الروح والأمكنة" ص 38. لكن القارئ يمعن في تتبع هذا المسير الذي يصرع الحياة ويجعلها نوعًا من الموت الداخلي المؤلم. فالنزوح الذي يجعل يد الشاعرة معلّقة في خواء، وشبيهة بغيمة بلا خواتم، هو نفسه النزوح الذي يؤسس "المكان الآخر" فيحمل الشاعرة على استيلاد هذا المكان من الوهم، من الدخان، فهي تدخّن الفقد "كس أصنع غيمًا يؤنس ظلي – وأجعل من السقف سماء صغيرة" ص 38.

لكن هذا السقف "موت ملوّن"، ص 45، لأنه معلّق في الخواء، فلا عجب أن تصبح القصيدة إذًا نوعًا من السيرة يكتبها شخص ميّت، عندما تُشعرنا عليوان بأن الحياة في هذه المغادرة تتحوّل موتًا روحيًّا معلنًا يشبه الموت ويوازيه من دون أن يصير حسيًّا. إلا أن هذه الحياة إذ تلتهمها الوحشة والغربة، تصبح "أكثر وحجة من جثة لم تألف عتمتها بعد" ص 38. لكأن الشاعرة أشبه بجذع هجرته العصافير، تقف وحيدة لتكسر "حدّة الفراغ" بقامة ضئيلة. وإذ تشعر بأنه يستحيل البقاء خارج الوقت، فإنها تدخله، بل لعلها تكون "في الوقت الذي على هيئة نهر" ص 30.

من لا مكان إلى مكان، ومن خارج الوقت إلى داخله، وبالعكس، تتحرّك قصيدة سوزان عليوان في جدلية المغادرة والوصول المضمر، بانيةً عالمًا مغمورًا بالتفاصيل الأليفة والمألومة، حيث تتوطد علاقة الأصابع بالفراغ، وحيث تحت هذا المطر المتساقط من الأعالي "سأقف وحلاً تتكاثر فيه أعمقاب السجائر"، وحيث "لن تحطّ على كتفي – لن تدركني- في هذا المكان القديم – شمس الأصدقاء" ص 46.

هذه "الشمس المؤقتة" التي تكتبها لنا سوزان عليوان، بكل الموت وبكل الجروح الناجمة عنه، لا تجعلها ترزح تحت حريقها الهائل أو ظلمتها الفادحة. فالشاعرة تميل إلى ترجيح "الاحتمالات الطيبة لكل السوء الذي حدث"، ورغم أنها تعلن في الصفحة الأخيرة من الكتاب أن "المحبة خدعة" وأن "الحنان مشبوه"، فها هي، إذ "تغلق" القصيدة، تعود لتفتحها على خيال النهايات وتشرّعها – رغم حدة الألم- على الاستمرار "في تصديق ما لا أراه". في مجموعتها السابقة "لا أشبه أحدًا" 1996، أتاحت لنا سوزان عليوان أن نقرأ شاعرة تتطلع إلى أن تتخلّق بشخصيتها وكينونتها، لكنها في هذه المجموعة الجديدة –ورغم أننا نسمع فيها أصداءً ونرى لمسات تذكّر بشعر الشاعر عباس بيضون و"تشبهه"- تتقدم من القارئ بإيقاعات أكثر تحررًا وببصمات ذاتية عميقة الصلة بمكانتها كشاعرة ذات شخصية مستقلّة. وعليه فإننا نقدّمها إلى قراء الشعر وكتبته، بالالتفات إلى موقعها المميز، لا في سياق تجربتها الشخصية فحسب، بل في تجربتنا أيضًا كشعراء.