|
حينَ أكتب عن
سوزان الشاعرة والإنسانة لا أستطيع أن أفصل بينهما؛ فالروح واحدة.. سوزان تدفعك
عنوة لتعيش مدن الحلم في عالمها المخملي.. قصائدها أوراق من تقويم الحياة التي
تعيشها لحظة صدق ترصدها مع أولئك البسطاء والمهمشين..
هي كالطفلة تبحث عن بياض الِشعر في الوجوه والأسماء، تطارد نسائم الربيع وتتعثر في
أجنحة الفراشات وتختبئ في مكان يحمل بقايا إنسان لترسم لنا بحروفها وريشتها ذاك
الصقيع وتنثره في كل أرجاء الزمان.
سوزان ورقة شجر تهدهدها الريح تبحث عن أراضٍ تلجأ إليها ترسم وجهها بين صفحات
روحها، تحملها في حقيبة سفرها لتسكن فيها هي حكاية انسكبت من فم الشعر.
أتوقف عند أوجاع صديقتي وأتذكر عبارة قرأتها لاندريه بروتون (أعيش على هذا اليأس
الذي يمتعني، اليأس ذات الدهشات الطويلة الناحلة.. يأس الكبرياء.. يأس الغضب).
مُوسيقى أوجاعها تغسلُني..تحتلني من كلّ أركاني لأنمو بذرة في الوجع.
في هذا الفراغ أجزم أن حروفها تغمس في محبرة الأنين لتوشم في الذات مفردات حمر.
من أجواء النص (بأهدابٍ طويلةٍ سوداءْ، ونعاسٍ خافتٍ كخيانةٍ كخنجر، أتسلَّلُ إلى
نسياني. لا أحدَ ينتظرُني، والثلجُ يتساقطُ ثقيلاً، مع جثثِ الطيور.
نصوص سوزان بحاجة إلى متذوقي الشعر لوعي جديد مختلف وثقافة متجددة.
وهل حقاً الشعر يفضح الزيف كما قيل ويسقط الأقنعة ويحسن القبيح.؟
إذاً هذه الليلة لي موعد قهوة مع سيدتي..!
و سيدتي لها موعد مع الهم الإنساني..!
عرفتها كمعرفتي بأختي، لم تترك لي ثغرة إلا وسدتها، ما بيننا أكبر وأجل من أن يسطره
حبر أو تنصاع له ورقة.. فهي تحرضني على الحياة ، كانت ولا زالت حروفها ورسائلها أو
هداياها التي تصلني من حينٍ لآخر.. لوحاتها البسيطة المعبرة التي تخرجني من عالم
الزيف إلى عالم النقاء حر بلا قيود وتقف بي على أرض الصمود..
عالمها الخاص غُلف بالأنين والشجن الذي استوطن بها.
قلبها حقيبة سفر دائمة الترحال.
تحملني حروفها فوق بساط الشعر الموشاة بشمسها الدافئة، هي طفلة تطل من شرفات
الأمل.. تنظر للواقع بمنظار الحكمة.. كثيرا ما تنفض عني وشاح الدنيا القاتم..
التقيها عبر الحرف تمطرني نبضي بأنفاس الحنان، تلملم أوجاعي الطافرة.. روحها نافذة
مشرعة دائما تذرف من ذاتها.. في هذا العالم القاسي فوق احتمالنا.. أوجاعي تُدمي
قلبها وتبقى تلك العذبة التي قالت لي ذات مرة) تخونني الكلمات لكنني على يقين عميق
بأنك تقرأينني في صمت أيضاً).
سوزان قدرة هائلة...تذرفنا من كوب الألم.
أعرفها كما أعرف البياض.. وكما صداقتي بالفراشات.. وقوس قزح.. كانت صداقتي بروحها
ذلك الكائن الذي لا يشبه أحداً.
أقرأ مصباح روحها الناصع الذي يضيء الكون بمفرداتها ، وألوانها الخشبية تسافر بك
حيثُ العالم الوردي رغم ما يعتريها من أوجاع وخيبات أمل وخذلان من هذا العالم
القاتم وهذا الكوكب الأحمر.
تهديك الفرح في قمة ألمها بكلماتها الدافئة وألوانها البسيطة وسرب فراشاتها الملون
وتحمل معهم روحها الشفيفة.. تمارس الغرق في الحزن والوجع المصفى و تأبى أن تشاركها
ذاك الصقيع..
ومن أجواء حرفها المدثر بالأنين..
(بينَ نحرٍ وصدرٍ جرَتْ دموعي. نهرَني النهرُ لأنَّني بكيتُ، ثُمَّ أسرعَ نحوَ
البحرِ ليلقاني. كنتُ أصِلُ الليلَ بالنهارِ ولا أصِلُ، وصوتُكَ في أذني قرطُ
موسيقى.
لو كنتُ أعلمُ إلى أيِّ خرابٍ ستقودُني الطرقُ، لما قطعْتُها، لقطعتُ قبلَ جريانِ
النهرِ شرياني. في شقائي ما يشبهُ الندم. لنتصارحَ مرَّةً.
ذاك الشجن وذاك الأنين الصافي كقطرات ماء من عرق القمر.. كنور انسكب.. وأزهر.
سوزان دائما في حركة تطوير المفردة لتناسب سياق النص والعصر، ولتجعل من الألم حالة
فردية خاصة (أنا أيضاً تؤلمني كلماتي).
(في الحلمِ، حنانُكَ يأخذُ أشكالَ أشخاصٍ أعرفُهُمْ: سيِّدي ووالدي. اليتيمةُ
أُمِّي. إخوتي. أصدقائي. أعدائي الذينَ لا أعرفُهُمْ. أعرفُهُ ويعرفُني. في طرفِ
جناحِهِ وردةٌ. في قبضتي سكِّين. أقتربُ. يصبحُ أشياءً كانت أشيائي: معطفي الأسود،
ذلكَ المقهى، مفتاحُ بيتِنا القديم.
حنانُكَ الذي في لحظةٍ بينَ النعاسِ والنسيان يأخذُ هيئةَ إنسانٍ كنتُ أحبُّهُ،
ألفةَ مكانٍ وزمنٍ كانَ زماني، يأخذُني. من يدي، من نومي، من الحلمِ ومن الكوابيس
أيضًا، كما يساقُ الأطفالُ والعميانُ والعبيدُ، إلى حنانك).
هكذا هُمُ القساةُ دائمًا. في الجرحِ ما يغلبُ النسيان.
يباغتها الحنان بشكل أشخاص فتراه في الأب والأم والإخوة والأصدقاء. صورة نزف حسي..
ونزف روحي تعزف على أوتار مفردة ذات خصوبة فالإبداع لديها تحوير..
المقهى.. الحنان.. الزمان.. الحلم.. الكوابيس.. العبيد.. كانت طفلة من نور صَب فيها
الزمن أوجاعه فكبرت قبل الأوان..
الشاعر يبعث صوته في الفضاء لتقرأ وجع العالم بين كلماته.. ملامح كثيرة كاشفة للنص
على مستواه الفني..
لا أذكرُ بالتحديدِ المفصلَ الذي صاغني في صورتي هذه: عينانِ مُطبقتانِ على فراغٍ،
أعمقَ من النومِ والموت، أهدابٌ منكسرة تحتَ سماءٍ من ملحٍ لا يضيئُها ملاكٌ واحد.
أعاقني الفقدُ، ومضى طريقُ العودةِ في طريقِهِ من دوني.
كانَ على البيوتِ أن تموتَ صغيرةً، في الحجرِ قبلَ أن يصبحَ جدرانًا، تحتَ جلدِنا.
لا أثرَ لسماءٍ. السلالمُ لا تقودُ إلى موسيقى. من قسوتِنا عَلَتْ هذه القصورُ
بأسوارِها، وما تبقَّى من غفرانٍ قديمٍ اقتسمَتْهُ تماسيحُ دموعِنا. ما حاجةُ
العصفورِ إذًا إلى جناحٍ وقدم؟ ما حُجَّةُ الرصاصةِ الخائفة؟.
استطاعت إيصال الحزن في صوره المتنوعة إلى موسيقى شعرية.
هنا قوة تؤسس لقوة الجماعة في مواجهة الآخرين، انكسرتُ مرَّةً. انكسرتُ مرَّتيْن.
الزهرةُ في الآنية، القهوةُ في الفنجان. لستُ من زجاجٍ لأجرحَ الهواءَ بحوافي.
تؤلمُني النسمة. تؤلمُني وحدتي.
هذا الإحساس المؤلم الذي تطرحه الذات معبرة عن نفسها وهو يحتمي بمفردات العالم،
ويتوحد بالأشياء ليكون أكثر قدرة على تحمل الألم.
انكسرت مرة انكسرت مرتين مؤشرا على الذات المعبر عنها بالخطاب الافتراضي..
الزهرة في الآنية - زجاج.. القهوة في الفنجان.. الصورة على مجموعة ، العناصر
الفاعلة بغياب الآخرين، أو بتغييبهم، ليبقى العالم مقتصرا على عناصره.
الشاعرة تكتب الناس من خلال الهم الإنساني لا حالة فردية تعيشها. هي الأقدر على
تجسيد أوجاعنا وهمومنا والتعب الذي يقتنصنا..
ولا غرابة في ذلك لأنها تكتب الكلمة بقناعة وقناعتها أكبر من قدرة احتمالها..
فتختزل همها في الكتابة والحياة ليخلص ويخلص البكاء الطويل بدموع قليلة.
استطاعت الخروج من الذات المغلقة إلى السمو الأوسع وهو سؤال الإنسان.
سوزان قارة من الإحساس والصرخات الإنسانية المتوالية.. هي نبتة أحادية المنشأ صوت
منفرد يعزف على أوجاع الآخرين المحرومين تضيء سراجها في كون مُعتم.
بيد أنها تراهن على البياض الذي يتدفق عبر أوردتها.
سوزان حلم يهطل بياضاً...
مرفأ
سوزان حالة نادرة.. تنتشلنا من الفقد
|