سوزان عليوان: القاهرة وأندلسنا الجديدة؟

طلال سلمان (هوامش) - جريدة "السفير" 2008/8/1

 

قالت الصبية التي لا تظهر حقيقة عمرها الفتي إلا حين تبتسم:
ـ أنا أعرفك منذ زمن بعيد... لكنك لا تتذكرني، فقد كنت صغيرة جداً يوم زرتنا للقاء والدي في ماربيا، بأسبانيا.
رن اسم أبيها في ذاكرتي فظهرت دهشتي على وجهي: المسافة بعيدة بين المغامر في تجارة العقار، في بيروت ثم في جهات مختلفة من هذه الأرض، وبين الشاعرة الشابة التي تقدم لي ديوانها الجديد، تماما كما هي المسافة بين ماربيا الأندلسية (كما تراها النسخة المزورة من العرب الذين وصلوا إلى تلك الأرض البعيدة فجعلوها جنتهم ثم خسروا أنفسهم فكان لا بد أن يفقدوها) وبين القاهرة التي أعطت الديوان اسمه: "كل الطرق تؤدي الى صلاح سالم".
إنه "إشكال" آخر، بلغة عباس بيضون.
"طريق صلاح سالم"... هكذا بات اسم ذلك الشارع الذي بات جزءا من "المحلق"، أو الطريق الدائري الذي يأخذك سريعاً الى مطار القاهرة.
عليك أن تبحث طويلاً في اختيار هذا الطريق كاسم لديوان شعر، وخصوصاً انه يلتف من حول القاهرة متحاشياً قلبها بالملايين المزدحمين في جنباتها، مخترقاً العصور المختلفة والعهود المتشاكسة والطبقات المصطرعة بصمت، وإن كان يمنحك الفرصة لاستكشاف "المدن" الجديدة المتأنقة بقرميدها وحدائقها المخضوضرة، من حول الأحياء المزدحمة بفقرائها حتى اجتياح المدافن ومراكب الصيد لاتخاذها مساكن.
سوزان عليوان تحمل شهادة اعتمادها معها: رشا سليم.
أما "ديوانها" فقصيدة طويلة تعبر العصور والمدن، المشاعر والعواطف، وقصص حب مهجورة تتبدى من خلال قصة حب لا تقترب من النهاية.
ثم إن القاهرة، كل القاهرة، وربما مدناً أخرى، تسري بأهلها في سطور الديوان باعتبارها الشاهد لا المكان، وباعتبارها الزمان والقصة أيضا.
"الإشارة المعطلة منذ الأزل، الشرطي الأسمر القليل،
جذعان على رصيف ذائب، جارته بناية صفراء
بيت/ في طابقها الخامس والأخير،
لا يغادرني...
على حبل الغسيل، شبح قميص/الدم/يذكر الذراع/
يذرف ملفطًا/كفي أرجوحة عصفور"
"كلما ابتعدت/ اعادتني الكوابيس
كتبتها/ كما كان الوعد/ البتر لا يجدي"
ولأن سوزان "من دخان" فهي تفلت كل خيط وتطير "لأنك في المرآة كأس، كل نسمة سكين".
تخيم على القصيدة التي لا نهاية لها غيمة حزن كثيف، فالصور دائماً مستلة من "بئر مهجور لأولئك السائرين الى نسيان، يضللون الضوء بظلالهم، المقابر قريبة، القدمان من رماد، محطة الباصات مهترئة، والمصباح لا يصلح مشنقة لحذائي، مراكبنا من ورق والنوارس للنسيان /أسوار عالية/ أبواب تئن".
هل كانت مرة التجارب إلى هذا الحد:
"مثل بيتنا نعرف العدم/ الضحك بلا ضغائن/ بعيدا عن أسبابه
البكاء/ العاب العدم بين ضفتين/ الموت مثلنا يتعب.
قصورنا في جيوبنا/ في قلوبنا قراصنة، بأسنان ذهب ذائبة.
من الوحل حياة/وحوش تؤنس، في الليل أرواحنا.
غيلان بأحضان دافئة/ لا نكاد نألفها.
بعيداً عن الدودة أرفرف/ مدينة محنطة/ رئة ترسب في بئرها السعال
ملوك على شرفات الضجر/مومياء تعبر المرأة عارية إلا من ورقة جوكر وغمزة بلا معنى".
في الديوان ـ القصيدة كثير من الكاريكاتور، كثير من الحزن، كثير من ملامح مدينة عظيمة كانت فوارة بالمعنى، وكانت توزع هدايا النصر على الأهل من حولها، ولكنها الآن تحتضر، بعدما فقدت الدور (هذا اذا ما قرأنا الديوان بالسياسة).
هل نخسر الأصل مرة أخرى؟
هل ترسم سوزان صورة مقربة لأندلس جديدة توشك أن تغيب.
لا بد من قراءة ثانية لهذا الحزن الأكبر من شاعرته.

مــن أقــوال نســمة
قال لي "نسمة" الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
ـ أول الحب شعر، وآخره شعر، وما بين البداية والنهاية لا شيء غير الشعر. هل لهذا لا ينجب الشعر إلا دواوينهم، ولا يرث أبناؤهم غير الحسرة من أنهم "أصغر" من آبائهم، مع أنهم يحبون كثيراً ولا يقولون حبهم إلا لحبهم، فلا يجعلونه مشاعاً؟!