شريطة حمراء

هالة كوثراني - مجلة "لها" 2008/7/30

 

تكتب سوزان عليوان القصيدة ألف مرة، تسكبها من جسمها إلى ذاكرة الكومبيوتر وتعيش معها حتى تنضج. تعطيها المزيد من نفسها، تسقيها كلمات وأحاسيس وأفكارًا وتعتني بها كي تصبح قادرة  على الوجود خارجها. سوزان التي جمعتني بيروت بها في زمن الوعود الكثيرة الكاذبة، جمعتني بها أيضًا قصائد صداقة عميقة وخفيفة. صداقة أخرى نمت أيضًا بين سوزان وابني، ابن الأربعة أعوام. وهي لم تتقرّب إليه لأنه طفل ولأن الأطفال قريبون من القلب، بل لأنها تعرف عالمه جيدًا وتستطيع أن تدلّني على دروب في مخيّلته الثرية بما أتعجّب منه، لكن سوزان تجد له دومًا تفسيرًا. فما زالت سوزان طفلة في بعض وجوه حياتها المتعددة الغامضة أحيانًا والبسيطة أحيانًا أخرى. وهي سعيدة بطفولتها التي تظهر في لوحات تحكي هوية هذه الطفولة التي لا يؤثر فيها الزمن. وهي طفولة ناضجة، شفافة بطبيعة الحال، لكنها أيضًا راقية. قصائد سوزان حملتني إلى عالم طفولتها الجميل الذي اختارت بناءه كي لا يكون الشعر مجرّد اعتراف بالألم. وسوزان التي تصرّ على كتابة الشعر، تكتبه دون قلم أو جهاز كومبيوتر، تكتبه بتصرّفاتها اليومية وعلاقاتها بالآخرين وأصابع يديها التي توحي لي أحيانًا أنها من زجاج، وبالتناقض بين تصرّفاتها الهادئة المتزنة وطفولة قمصانها ورسومها ورغبتها في أن تفاجئ من تحبهم بهدية أو فراشة أو وجه باسم.  سوزان التي تأخرت في عشقها بيروت، وهو عشق ربما يبدو عبثيًا خصوصًا في الأعوام الأخيرة، تحمّسنا دومًا لدراسة أسباب البقاء هنا. ابني صديق سوزان سألني أخيرًا معترضًا على فكرة أن نسافر في إجازة: ألا نستطيع أن نأخذ بيروت معنا؟ دفعني سؤاله إلى أن أشعر بأن بعض ما كتبته أو حاولت كتابته عن علاقتي بهذه المدينة المجنونة ناقص وسخيف.

بين سوزان وابني علاقة أُحبّها. تمتعني أسئلته عن سيارتها التي تشبه سيارة الرجل الوطواط وعن هداياها الكثيرة.

سوزان عليوان الشاعرة الشابة أصدرت أخيرًا ديوانها العاشر. وهي تصنع كل تفصيل متعلّق بولادة كتبها... قصيدةً قصيدة تلده ثم تجمع خيوطه في سلسلة تتحوّل عملاً فنيًا من خلال رسومها أو ما تتخيّله من رسوم هي توائم القصائد، إلى طباعة الخط والألوان والنقاط والغلاف وورقه وألوانه وتصميمه... تعتني سوزان بكتابها وتدلّله ليخرج هديّة طازجة دومًا، تصل إلينا لنستمتع باكتشافها. ونحسّ بأن علينا أن نحتفل بالهدية، وربما نقصّر في الاحتفال بها.  لكن حماسة سوزان التي تحترم الشعر بعيدًا  عن طقوس الاحتفال به، لا تخفت أبدًا للعودة إليه... إلى الشعر. "كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم"  طفل ناضج من أطفال سوزان سُعدت بأنني واكبت ولادته التي علّمتني أيضًا كيف يتحوّل إصدار كتاب تجربة فنية فريدة.

 

من "كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم":

 

"لو أنَّ الأيامَ بيننا

لاقتربْنا وابتعدْنا كأرجوحةٍ

لأعادَتْنا لعبةُ البكاءِ أطفالاً

لصنعتُ للصغيرةِ رجلَ ثلجٍ

بلمسةٍ من قسوتِنا يذوبُ

 

بحيرةُ بجعٍ من طينِكَ الناصعِ

لدموعي ألفةُ الطبشورِ

أرسمُ طيورًا

تعلو وتعودُ

حولَ أناملي خيوطٌ

الأرضُ منطادٌ يبتعدُ"

 

ملاحظة: في الصفحة الرئيسية في موقعها الإلكتروني كتبت سوزان: "إقتراح من القلب: قارئتي الكريمة/قارئي الكريم: بإمكانك طباعة مجموعاتي من الموقع وضمّ أوراقها بشريطة حمراء، مثلاً...".