|
الإثنين 21/7/2008 (من اليوميَّات)
الحيز الجغرافي مسرح للسرد الروائي، منه تنطلق الشخصيات وبمشاهده تتأثر وفي نطاقه
تمارس حركتها الأولى لتتجاوزه الى ما هو أوسع، فلا رواية إلا قاعدتها مكان يحضن
أبطالها، كما نجد مثلاً في روايات نجيب محفوظ: الثلاثية (بين القصرين، قصر الشوق،
السكرية)، زقاق المدق، خان الخليلي، ميرامار.
لكن الحيز الجغرافي يؤدي أحياناً دور البطل فيبدو كائناً خرافياً يؤثر ويتأثر وقد
يتحدث أو يلهم بحديث. هذا البطل نجده في شارع فضل الله عثمان، المسرح الرئيس لرواية
"عصافير النيل" لإبراهيم أصلان، وما يلبث أصلان أن ينسب لفضل الله عثمان سياقات
سردية صدرت في كتاب "حكايات من فضل الله عثمان"، يصير الشارع ذلك البطل الخرافي
يحتضن أبطال السرد.
ما يصح في القصة والرواية لا يصح في الشعر، مع استثناءات قليلة نجدها في الأعمال
الدرامية الشعرية. لكن اللبنانية سوزان عليوان تستخدم الشارع منطلقاً لشعريتها وليس
فضاء يحدّها، نجد ذلك ابتداء من عنوان قصيدتها - الكتاب "كل الطرق تؤدي الى صلاح
سالم" (نشر خاص - بيروت، صيف 2008).
وفي ثنايا السياق الشعري ما يشير الى أحد الضباط الأحرار في مصر الذي سمّي الشارع
في القاهرة باسمه:
"صلاح سالم يصغي
نظارة سوداء
كتفان بنجوم كثيرة
في صدأ نياشينه
ما يضيء خسائرنا
ما لم تقله الوردة
في وحلها تدركه الدموع".
عن الطرق المؤدية من "صلاح سالم" وإليه، تكتب سوزان عليوان. الشارع هنا نقطة
لاتجاهات لا تحصى، علامة للكلام الآتي من تجارب وأجواء لا حدود لها:
"سيدي ووالدي
اليتيمة قبل ميلادها أمي
الحائمون حول حدقة البئر بقميصي
أصدقائي الثعالب
القساة الذين بنسيانهم أتسلى
على طرف جناحه وردة
في قبضتي سكين
أقتربُ
أشباحٌ كانت أشيائي
دميتي المدلاّة
الشارع الممتد من فيء رموشها الى شرفتك
تلك الدموع الملألئة
مثل ماسات سوداء على إسفلت شائب...". |