جدتي سوزان

رغدة - مجلة "دبي الثقافية" 2007/10/1

 

تابعتها لسنوات عبر ملفها الرشيق والعميق الكلمة والاحساس في آن واحد، فقليل هو الحال وصعب في جمعه للعمق والبساطة والرشاقة معا ومتواضع هو اغراء الخيال الخصب الا بخيالات تستشعر وتستفز فيه جنوحه واقتناعه بما يصله من صور تمتطيها مفردات، خصوصا في الأجيال الجديدة، الا فيما ندر.

لذا فقد كانت هذه البنية الصغيرة { سوزان عليوان } في بداياتها الشعرية الأولى منذ سنوات طويلة  والتي قرأتها لها دون سابق معرفة عبر الانترنت، تفصح بجلاء عن مشروع شاعرة لها نسيجها الخاص والمتفرد في زواياه المعاصرة منها والكلاسيكي، ثم كانت السنوات التالية لقراءاتي الأولى وأنا متابعة لها  لتؤكد حدسي، ونضوجا تتخمر فيه سطورها الصغيرة بحروفها الكبيرة المعنى، واشتهيت أن ألتق بها، وأتعرف على ملامحها الشخصية لشدة ماتغلغلت عوالمها في داخل رأسي، وتقاطعت حالاتها النفسية مع خطوط نفسي الى حد الانصهار، وكأن ماارتدته الكلمات عندها من صنع ألواني وكأن ما ارتحلت اليه عوالمي من صنع أفقها، حتى بت اذا ما تكاسلت يوما عن مرافقة حبري في تجواله الشعري، استرجعت نشاطه في عالمها الشبيه بعوالمي فحثني على استنهاض الخيال وغررت بمشاغلي ينابيعها المتدفقة من العمق مرتدة الى العمق راوية في طريقها ظمأ المشاعر، منبتتة شيئا بلون الروح.

الى أن وضعتني الظروف فوق السحاب قادمة من بيروت الى القاهرة، لألتق بها فوق خراب الدنيا { على حد تعبيرها } ثم التقينا بسرعة وتقاربنا بأسرع ما توقعت، فقواسمنا الفنية ثم الانسانية المشتركة كانت كثيرة  تفوق التصور، لكن الغريب في الأمر

أنها رغم صغرها لي سنا، استشعرت معها بأنني طفل يجوب قفار الدنيا ويده عالقة بيد جدته، ولا أقول أمه، فما لهذه الشابة من نهج في حياتها فلسفي وعملي في أن واحد، تتماهى حكمه وفلسفته مع الواقع الى آخر رمق فيه، وهكذا جمعت في روحها عالمين من الصعب التقاءهما، فكان الحزن زائرها المحبب، وكان آخر ما ارتدته جدتي سوزان في آخر قصائدها الجديدة.. حزن نبيل كنبل عينيها الشرقيتن، شفاف كروحها تكاد ترى من خلال زجاجه العالم محمولا على كتفي تجاربها النفسية دون شكوى ولا تذمر، تقول جدتي سوزان { بخط يدها }:

 

النافذةُ جرحُ الجدار. البابُ مرآةٌ مُغلقة. تعلمين، الحجرُ أيضًا يتألَّمُ.

 

على جانبي الأيسر، على حافةِ السريرِ والعالم. أطفالُ الورقِ الجارحِ من حولي. لو أنَّ أحبارَهُمْ دَمٌ، لو أنَّ دُماهُمْ تنمو قليلاً حينما أنامُ. سكاكينُ صغيرةٌ مع أسنانِهِمْ تلمعُ، بالقوَّةِ يطبقُ أجفانَنا السقفُ. ليسَ الألم. في الحائطِ القريبِ كوجهٍ أحدِّقُ، أقسو لئلاَّ يكسرَني حناني. أيُّهُما القفصُ؟ أيُّهُما العصفورُ؟ ومِنْ أينَ يأتي العابرونَ لعُقَدِنا بهذا الكُرْهِ العقيمِ للأقنعةِ والستائر؟ تُرعبُني قدرةُ الحجرِ على أن يكونَ حجرًا. ببابٍ أحتمي، بنافذة. العالمُ عَدُوِّي. الألمُ وهمُ الآخرينَ عنِ الألم.

 

بأهدابٍ طويلةٍ سوداءْ، بنُعاسٍ خافتٍ كخيانةٍ كخنجر، أتسلَّلُ إلى نسياني. لا أحدَ ينتظرُني. الثلجُ يتساقطُ ثقيلاً، مع جثثِ الطيور.

 

بينَ إغماضةٍ وغياب، مع رموشِ الشمعِ الأسودِ في شموسِهِمْ، أشردُ في فضاءٍ ناصعٍ، من صنعي، من أوهامي. في رئتيَّ غيمٌ كثيرٌ، سُعالي سماءٌ، فلتسامحني النجومُ. لستُ بالصلابةِ التي أظهرُها كي أتَّخِذَ هذِهِ الجدرانَ جلدًا، ولم أعد ملاكًا لأتدثَّرَ بجناحيْنِ وأغفو. براءتي خاتمٌ في بئرٍ. السائرونَ في الحُلُمِ يضلِّلونَ الضوءَ بظلالِهِمْ. على الزجاجِ تمشي الراقصةُ حافيةً. أتبعُها خيطَ دمٍ. لم يخدعْني أحدْ. اخترتُ الخطأَ عَمْدًا، وخذلتُ أكثرَ من أيِّ طريقٍ خطواتي.

 

حزنٌ بكثافةِ حاجبيْنِ معقوديْن. شبهُ شجرةٍ، وليسَ في عظاميَ المنخورةِ بالخوف ما يُغري عصفورًا أو حطَّابًا.

 

بينَ نحرٍ وصدرٍ جرَتْ دموعي. نهرَني النهرُ لأنَّني بكيتُ، ثُمَّ أسرعَ نحوَ البحرِ ليلقاني. كنتُ أصِلُ الليلَ بالنهارِ ولا أصِلُ، وصوتُكَ في أذني قرطُ موسيقى. لو كنتُ أعلمُ إلى أيِّ خرابٍ ستقودُني الطرقُ، لما قطعْتُها، لقطعتُ قبلَ جريانِ النهرِ شرياني. في شقائي ما يشبهُ الندم. لنتصارحَ مرَّةً. أنا أيضًا تؤلمُني كلماتي.

 

في الحلمِ. حنانُكَ يأخذُ أشكالَ أشخاصٍ أعرفُهُمْ: سيِّدي ووالدي، اليتيمةُ أُمِّي، إخوتي، أصدقائي، أعدائي الذينَ لا أعرفُهُمْ. أعرفُهُ ويعرفُني. في طرفِ جناحِهِ وردةٌ، في قبضتي سكِّين. أقتربُ. يصبحُ أشياءً كانت أشيائي: معطفي الأسودُ، ذلكَ المقهى، مفتاحُ منزلِنا القديم. حنانُكَ الذي، في لحظةٍ بينَ النعاسِ والنسيانِ يأخذُ هيئةَ إنسانٍ كنتُ أحبُّهُ، ألفةَ مكانٍ وزمنٍ كانا كياني، يأخذُني من يدي، من نومي، من الحلمِ ومن الكوابيس أيضًا، كما يساقُ الأطفالُ والعميانُ والعبيدُ، إلى حنانك.

 

هكذا هُمُ القساةُ دائمًا يا قلبي. في الجرحِ ما يغلبُ الغفران.

 

لا أذكرُ بالتحديدِ المفصلَ الذي صاغني في صورتي هذه: عينانِ مُطبقتانِ على فراغٍ، أعمقَ من النومِ والموت، أهدابٌ منكسرة تحتَ سماءٍ من ملحٍ لا يضيئُها ملاكٌ واحدٌ. أعاقني الفقدُ، ومضى طريقُ العودةِ في طريقِهِ من دوني.

 

كانَ على البيوتِ أن تموتَ صغيرةً، تحتَ جلدِنا، في الحجرِ قبلَ أن يصبحَ جدرانًا.

 

لا أثرَ لسماءٍ. السلالمُ لا تقودُ إلى موسيقى. من قسوتِنا، عَلَتْ بأسوارِها القصورُ. ما تبقَّى من قِطَعِ حلوى وقلائد، بالتساوي اقتسمَتْهُ تماسيحُ دموعِنا. ما حاجةُ الهدهدِ ذي الجناحِ الهائلِ إلى منقارٍ وقدم؟ ما حُجَّةُ الرصاصةِ الخائفة؟.

 

انكسرتُ مرَّةً. انكسرتُ مرَّتيْن. الشمسُ في الآنيةِ، أعقابُ السجائرِ في الفنجان. لستُ من زجاجٍ لأجرحَ الهواءَ بحوافي. تؤلمُني النسمةُ. تؤلمُني وحدتي.