|
نقلت سوزان عليوان معها اختلافها، وبياضها، وفراشاتها الى الكويت، وحلت ضيفة على
الشعر وحده··
فمثلما كانت تبدو لأصدقائها الشعراء ومتابعي كتاباتها عن بعد، فراشة لا تطيق اللون
الواحد، فتبعثر - إبداعا - علبة ألوانها، وتعيد رسم الأحرف أمام أعينهم على شاشة
"الإنترنت" الإلكترونية·· كانت رؤية الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان في قاعة
"السالمية"، بين نجومها الصفراء ودفترها الطفولي أشبه بالرؤيا، والحدس، والتخمين،
وتلمس أطراف الحلم·
لم يكن هناك في تلك الساعة، التي جمعتها وأبناء قبيلتها الشعرية عريف ولا تقديم ولا
ديباجات ترحيب معهودة (تشيع الملل أكثر من الود)، لم تكن البداية إلا من روح الشعر:
تتشابه حقائب السفر
التذاكر
المطارات
وليالي الوحدة
في ظل قمر غريب
تتشابه بطاقات الأصدقاء
أمطار الشتاء
المقاهي
المتاجر
وجوه الناس
·· في الزحام
وحدي أنا الغريبة
لا أشبه أحدا
ولم تغادر عليوان الضوء كثيرا، فبين لسعة وأخرى، تعود الى مداراته، خافتا كان أم
كفيفا، وشمسا تلك التي آنست وحدتها أم مصباحا، ينفث آخر أنفاسه، فتتخذ من ذبالاته
دليلا في ليل الوحشة، والمكان·
أي مكان··؟! كهفا، بيتا، وطنا، أو كرة أرضية تحتضن آدميتنا، التي ترفض التصنيف،
وآلية خطوط العرض والطول، وقساوة الاتجاهات، وحدود القفص القابض على الروح:
يغادرنا المكان
لربطات الإسمنت أولا، ثم المقاعد في إثرها
الفراغ المباغت
يفرض تأثيث الأرواح
كان علينا أن نكون أكثر صلابة وبياضا
كأننا الحوائط التي تكون الزوايا
وتسند السقف والظلال
كان على أصابعنا ألا ترتعش
وعلى الوقت
أن يمهلنا قليلا
كي نمنح اللحظة ألوان لوحة أخرى
غير البغيضة
غير قتامة ملابسنا
تبتني الشاعرة لأحلامها، وحياتها اليومية (لا فرق) بيتا - في المجرة الإلكترونية -
تختار له الأثاث الملون، والزخارف البسيطة كبساطة الماء والمعنى، واللوحات المعلقة
ببراءات طفلة لا يحتمل عبثها إطار،·· تبتني بيتها ثم تكسر قافية الباب، ليدخله
ضيوفها المقربون:
لأن البياض مربك كوطن عار
سأبني في هذه البقعة من الفراغ بيتا صغيرا من خشب ملون·
نافذتاه تحدقان في وجوه خلف الزجاج
بابه يبتسم
ورغم أنه لا شمس هنا ولا أمطار
سأجعل من سقفه قبعة تعشعش عصافير نزفت على الأسلاك أجنحتها·
بلمسة
سأمنح الخلفية حديقة بلا سياج
وأنثر الكلمات زهورا تتفتح بلمسةٍ
في ذلك المساء الكويتي، كانت سوزان عليوان تنثر ورد جناتها من: "دكان الورد"، "كوكب
أحمر"، "الروح في مصيدتها"، "اسم مرادف للألم"، "الحب في ليلة باردة"، وتختتم مساء
الشعر بـ "حنان بمرارة الحنين":
من نافذة صغيرة، بيضاء
لإطارها لون يوم مهمل في المطر
أطلُّ على غربة يديك
بحكايات عن مشربيات قديمة
حفر خشبها الهواء
لوّحتها الشمس بسكرٍّ محروق·
كان ذلك في مدينة سكنتني
بحاراتها
وبيوتها
وفوانيسها الملونة·
أضحك إذ تقول:
"لو كنتُ أعلمُ أن اليوم عيدُ ميلادك
لقدمت قلبي قطعة حلوى"·
أبكي لأن حنانك بمرارة الحنين·
ومثلما أطفأت الشاعرة فوانيس تلك المدينة التي سكنت ذاكرتها، حينما صدمت بعبارة محب
غائب: "لو كنت أعلم··"، خفتتْ إضاءات الشعر في مدينة "السالمية" على عبارات الختام،
والاستحسان، بعد ساعة من الإنصات العميق لرفرفة فراشة إلكترونية، لوّنت سماواتها
كما شاءت، وكما يحلو لها من لون، وفرشاة، وأكدت أن السماء ليس بالضرورة زرقاء، وأن
ليل الساعة السابعة مساء قد ينقلب الى نهار مليء بنجوم "من صنع يديها"!!
|