|
تبدو الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان، وهي تلقي قصائدها امام جمهورها مثل طفلة
خجولة، يصفق لها الجمهور، بعد كل قصيدة فتنطبع على خدودها حمرة الخجل او ربما حمرة
الشعر.
وهذه الشاعرة التي لم تبلغ الثلاثين بعد اصدرت حتى الآن ستة دواوين هي: "عصفور
المقهى، مخبأ الملائكة، لا اشبه احداً، شمس مؤقتة، ما من يريد، كائن اسمه الحب،
مصباح كفيف".
وتلمح في قصائد سوزان عليوان ذلك الهم بالإنسان، بينما تختفي نرجسية الشاعر في
نصوصها، فأن تبحث عنها فلن تجدها، فالانسان هو هاجسها الاول، وهو شغلها الشاغل، حتى
في ديوانها "لا اشبه احداً" لا تتحدث عن نفسها، بل عن البشر والحياة، سوزان تزور
الكويت حالياً واقيمت لها ليلة الخميس الماضي امسية شعرية، حيث تحولت في هذه
الامسية الى فراشة تبيع الورد الى الجمهور الذي تخجل من مواجهته:
دكان في شارع مهجور
قرميده نايات ريح
اقدامه ملح ذائب في المطر
خلف الزجاج المغبش
اوان فارغة...
شرائط غادرتها الفراشات
مقص ملطخ بدم زهرة
وردة معلقة على الباب
تختصر عناء الكلمات:
"كنا نبيع الورد، هنا".
والقصيدة لدى سوزان عليوان لحظة كاشفة تبحث فيها عن الحلم والوطن والعدل وتبديد
ظلام العالم وغربته:
الليل عادل
لا يفرق
بين بحر
وسماء
بين عصفور غريب في الشرفة
وانسان غريب في البلاد
الليل عادل
في السواد
ويسيطر على شعر سوزان ذلك الهم الانساني فهو يشغلها وتبحث له عن مخرج حتى في
الليالي الماطرة يظل البحث دافئاً ففي قصيدتها "معنى مرادف للألم" تتساءل: اين ينام
اطفال الشوارع؟
شتاء قديم
وغرفة بشحوب الدمعة
تتطاير في رعشةت جدرانها فراشات سوداء
ظلال كلمات عابرة
اسم مرادف للألم
اين ينام
في عاصفة كهذه
اطفال الشوارع
وكلابها والقطط؟
أنصت
ونصوص سوزان عليوان القصيرة جداً اشبه بالطلقات التي تعرف هدفها، فهذه الطلقات تحول
الشعر الى شيء بسيط وحميم بعيداً عن التنظير، تماماً كهذه الاشياء التي يرصدها قلب
سوزان المرهف: الناي الذي يعاتب العصفور، سيدة البيت التي لا تحتمل غبار الحزن،
الزهرة الالكترونية التي تحن الى حضن كتاب:
"نغمة تعاتب الناي":
لم لم تتركني مع العصفور؟"
"بدموعها تمسح البلاط
(تمزجها جيداً بالصابون)
سيدة البيت
لا تحتمل غبار الحزن"
* * *
"زهرة الكترونية
تتنهد:
لو يضمني كتاب"
واذا كانت سوزان عليوان تنتمي الى جيل الانترنت الذي يمثل لها ولجيلها صندوق الدنيا
الذي كان يمنحها في طفولتها مساحة من الحلم الجميل، ولذا فهذا الصندوق الافتراضي
"الانترنت" حاضراً في قصائدها فهو فضاء لا قيود فيه وجسر من التواصل مع الآخر عبر
لوحة المفاتيح وكأنه الحياة البديلة:
على الكرسي نفسه
كل ليلة
والعالم من امامي عابر
الفأرة في كفي
الروح في مصيدتها
لوح زجاج
أبدلت حياتي.
خجولة... ماذا افعل؟
في نهاية الامسية دار نقاش بين الشاعرة سوزان عليوان والجمهور، حيث سألها الجمهور
عن طباعة دواوينها على نفقتها الخاصة من دون اللجوء الى دور النشر، وعن الخجل الذي
يبدو عليها في اثناء الالقاء، وعن رؤيتها للتجربتين المصرية واللبنانية مع قصيدة
النثر.
- لماذا يبدو عليك الخجل وانت تلقين قصائك؟
اعترف بأنني خجولة ماذا افعل.
- لماذا تشرفين على طباعى دواوينك من دون الاعتماد على دور النشر؟
انها مسألة مغرية كما قصيدة النثر ضد المؤسسات والتعامل مع دار نشر من اجل نشر
ديوان هو اعتراف بدور المؤسسة وهذا تواطؤ لا ارضاه لها.
- لماذا لا نلمحك في شعرك؟
انا اكتب من اجل الانسان، وانا ضد الشعر الذي يتحدث فيه الشاعر عن ذاته، كفانا
نرجسية، من هي سوزان عليوان لتكتب عن نفسها، فلنتحدث عن الانسان وباسمه.
- كيف تصفين التجربة المصرية اللبنانية خاصة انك تنتمين الى الاثنتين؟
انا غير مؤهلة للحديث والحكم على التجربتين لأنني جزء منهما وان كنت ارى ان
سلبيات التجربة اللبنانية قد بالغت في الولع باللغة على حساب الموضوع، بينما سلبيات
المصرية انها همشت اللغة وان كانت قصيدة النثر المصرية افضل التجارب.
- لماذا يغلب على شعرك الحزن اكثر من الفرح؟
انا مثل اي انسان احب الفرح لكن اذا لم يكن الفرح يحبنا فهذه مسألة اخرى، ولكن
الحزن يحرك اعماق الشاعر اكثر من الفرح وهو دافع للكتابة.
- اما زلت تعتقدين ان مكان القاء قصيدة النثر ليس الغرف المغلقة؟
نعم فقصيدة النثر مكانها هو الساحات والمقاهي والحارات وليس الغرف المغلقة.
|