|
تحيرك الشاعرة سوزان عليوان، بإصرارها على الحلم... ذلك الذي يدفعك، دفعاً الى ان
تدخل فيه عنوة، وبلا ان يكون لديك قدرة على الاختيار او التردد... تدخله وانت مشدود
الى ما يتجمل به من بسطاء، وحالمين، وعاشقين، وباحثين عن اشجار المحبة، والنقاء...
تشدك عليوان الى عالمها الذي يبدو لك من بعيد كأسطورة من كلمات ناعمة، ومشاعر
تتلبسك دون ان تدري السر وراء استغراقك فيه كي تبوح لها، مثلما تبوح لك.
عليوان التي تنتقل من قصيدة الى اخرى كفراشة ليست كالفراشات... تعطي لقصائدها
الرحيق ولا تأخذ غير الحزن الذي يتقطر من لحظات الصدق التي تقف فيها مع البسطاء،
والمهمشين، تدافع عن احلامهم، ووجودهم، تتحدث عنهم، ولا تجد متسعاً من الوقعت
للتحدث عن ذاتها، تلك التي ذابت فيهم، وذابوا فيها.
وحينما حانت الامسية، تلك التي اقامتهاا لشاعرة في الكويت مساء الخميس الماضي،
وتحديداً في احدى قاعات منطقة السالمية، كان لا بد ان تتوهج القصائد التي القتها
عليوان بنصوصها التي تفتح الشرفات لجميع الموجودات بلا استثناء "الليل، البحر،
السماء، العصفور، الانسان... الخ":
الليل عادل
لا يفرق
بين البحر
والسماء
بين عصفور غريب عن الشرفة
وانسان غريب عن البلاد
الليل عادل
في السواد
ان الصور التي تجسدها عليوان تخطف قلوبنا، تنضعنا على قارعة الحزن صامتين، ونحن
ننظر في احوالنا، وآلامنا، نتحين الفرصة للهرب منها فنجد اننا عاجزون ان نمضي الا
وهذه الصور حاضرة في اذهاننا ومحمولة فوق ضمائرنا:
اعاقته
لم تمنعه يوماً
من تأدية واجبه
بإصرار مرعب
يعبر الشارع
كل صباح
في ساعة يحددها – بدقة الشمس – صراخه
يزبد فمه
يمحو المدينة التي لم نرمم من تشوهاتها الا القناع
وترسم لنا الشاعرة صورة ملبدة بالحزن، والالم لفتاة تحلم بالحنان وهي "تكنس
الكوابيس كل فجر عن عتبة البيت" ترسمها بريشة نشاهد في الوانها الانكسار والرغبة
العارمة في اقتناص اللحظات التي لا تبدو فيها الاحلام مستحيلة:
لو كانت روحها سجادة
لنفضت عنها هذا الغبار
لتركتها في الهواء قليلاً
تتنفس.
وعندما حانت المناقشات مع الشاعرة، بعدما كانت القصائد قد رفت في فضاء القاعة
باجنحتها الشفافة الشافية، رأينا ان حديث عليوان اشبه بالشعر، انها مع كل سؤال يطرح
عليها تتلوه بجابة يدخل في نسيجها الحب، والصدق، والانتماء الملفت للنظر للبسطاء
والمهمشين لتقول: "المقهى دلالة على المكان، اتصوره فضاء آخر عن نفسي وبديلاً عن
الوطن، نتفاعل فيه مع العالم الآخر، وهو يمثل جزءاً من مكاني ووجودي"، وعن الفرح
والحزن تقول: "اعرف الفرح واحبه، ولكن في تصوري ان الحزن اكثر قدرة في دفعنا على
الكلام، فالحزن يحرك اعماقنا ومشاعرنا بشكل اكبر، اما الفرح فهو دافع للحياة وليس
للكتابة"، وترى ان طباعتها لدواوينها بدأت خاصة، وهي ترى متعة في ذلك، قائلة: "شعر
الحداثة او قصيدة النثر ضد المؤسسة، والتعامل مع دور النشر هو تعامل مع المؤسسة"،
واضافت: "قصيدة النثر ضد المهرجان والتجمعات كما ان الفضاء المفتوح هو فضاؤها"،
وترفض الشاعرة القصيدة التي يبث فيها الشاعر ماسيه وآلامه، مؤكدة: "سئمنا نرجسية
الشاعر، وآن الاوان كي نتحدث في قصائدنا عن الجميع، لأن من واجبات الشاعر ان يرتقي
بالروح الجماعية، طارحة سؤالها: "لماذا لا تبدأ القصيدة بالآخر، وتعني الذات، وليس
العكس، مستطردة في اجابتها عن سؤال آخر: "اتصور ان اسهم الانثى في القصيدة طغى
كثيراً على سؤال الشاعر"، والكتابة عن الاشياء البسيطة اكثر قرباً من الآخر، ولماذا
الحب يكون مقتصراً على الرجل للمرأة، والعكس؟!، لماذا لا نحب مثلاً المقعد والشمس،
والفنجان.
وقالت عليوان: "اعتقد ان الفكر الوطني والقومية اعطت الفرصة لانتشار العنصية، وان
الشاعر لا يكتمل الا بالآخر، كما ان التفاعل العميق مع الجوهر وليس المظهر يحقق
للقصيدة قيمتها، والظروف الشخصية علمتني ان الوطن اكثر اتساعاً مما تعرفه".
وكان الوطن في الستينات يعرف على انه المكان الذي نستشهد من اجله فهو اذا دافع
للموت، وليس للحياة"، مبدية املها في ان يتحقق لقصيدة النثر المستقبل الباهر،
قائلة: "ستأتي اجيال اخرى اكثر بهاء منا وسيكتبون قصيدة نثر افضل مما نكتبه الآن"،
وأصرت الشاعرة ان لديها ميلاً شديداً للتعاطف مع المهمشين، وان كرامة اي انسان هي
كرامتها، مضيفة: "ولقد اثبتت الايام ان الذي يصمت عن ظلم شخص يراه يهان امامه،
سيتعرض في يوم من الايام للظلم نفسه وبالطريقة نفسها"، موضحة ان الانسان الجلاد هو
ايضاً ضحية لأن هناك مفاهيم انسانية غائبة عن هذا الوجود.
وكما بدأت عليوان امسيتها شعراً فقد اختتمتها شعراً كي تنشد قصيدة "حنان بمرارة
الحنين"، وهي من ديوانها الجديد "مصباح كفيف" كي تحلق عبر كلماتها المشحونة
بالعاطفة هي رؤى انسانية ملؤها الصدق والتدفق الشعوري:
اضحك اذ تقول:
"لو كنت اعلم ان اليوم عيد ميلادك
لقدمت قلبي قطعة حلوى"
ابكي لأن حنانك بمرارة الحنين.
|