|
تحاول سوزان عليوان في مجموعتها "ما من يد" الصادرة في القاهرة الخروج من عزلة
الروح والمكان، إلى رسم ملامح مشهدية تتوخى اليومي، لكنها تظل حذرة بعيدة عن
مقاربته في عبارات كأنها مسودات لكلام كثير.
ولعل
محاولة عليوان الإفصاح عن طفولة مفقودة في قصائد تغلّب الذاتي على معظمها، كان لها
الأثر الملحوظ في إخراجها من مناخ يتسم بكثير من الانفعال الذي يربك حركة بنائها
ويتركها عمياء تتلمس الجدران.
فالشاعرة التي حمّلت قصائدها هذا الصراخ، لم تقصره على نعي الوحدة وإطلاقها في مدى
وجيع، لا جدوى فيه سوى الصمت وترجيع الأحزان فحسب، بل سعت ومن "العنوان" لجذب
الانتباه إلى طفولة تضطر أن "تكسر ساقيها مرتين كي ينتبهوا" هي طفولة أكثر من
مستباحة، وأكثر من ممصوصة الدماء (بحسب عليوان) "هم ذاتهم الذين تغذوا – على الدم
السائل من براءتنا".
إن
قصائد سوزان عليوان المستمدة تارة من أمكنة صارت في الذاكرة، تتزاحم بصور فقدت
ألوانها، وتارة من مناخ الأسئلة الكبرى التي لا تخشاها وتجاهر بها. هي قصائد لم
تتناولها بلغة منتقاة، فيها من الرطانة ما يجعل تلك الأسئلة ذات سطوة يصعب على
عليوان الفكاك منها. إلا أنها وقفت ببساطة الأطفال وبراءتهم، التي لا تخلو من المكر
اللذيذ، المتواطئ مع الشغب والمشاكسة.
لعل
السمة الأكثر حضورًا في قصيدة عليوان هي السردية بمدلولها كمنجز فني لتأليف نسيج
دراماتيكي (بحسب التعبيرات الروائية-الشعرية) التي تميزت بها قصيدة جيل
الثمانينيات، والتي تتكئ عليها قصائد عليوان، زمن التشوش والاضطراب العربي الذي
تخلخلت ركائز أساسية فيه وكان الأدب أبرزها، مما أدى إلى انحسار القول الكثير
والحكائية السيّالة. إلا أن سردية تغيب عن نسيجها التفاصيل كتلك التي في قصيدة
سوزان، فإنها بلا ريب سردية غايتها إبراز النص كمعطى أساسي، من دون الاكتراث
للأدوات والشكل، وأحيانًا حتى للموضوع، مما جعل هذه القصيدة البعيدة عن جو التركيب
الشعري تتشابه من حيث بنيتها مع المناخ المعتمد على التكثيف والإيحاء الذي ترسّخ مع
شعراء جيل الحداثة الثاني: سركون بولص، وديع سعادة، عباس بيضون، وسواهم.
ربما
يكون المهمَل من الأشياء هو دأب سوزان في قصائدها، وذلك احتفاء الشعر بما هو نقيض
الحياة، وتقريب المبعد عنها ووضعه في مجال الحسي والبصري، في تقريرية تشبه رأي
الكفيف بلوحة متشابكة الألوان، إذ لا سبيل لتحريك الوهم وبعث الحياة فيه سوى بوهم
قائم على احتمال أن لا جدوى للحياة من دون الفن، من دون أن نحطم قائمًا ونصوغ
متوهمًا.
وعلى
هذا فإن الكتابة التي أفضت بسوزان عليوان إلى وصف "فزاع الطيور" و"رجل الثلج" هي
كتابة وليدة المشاهدة بكثير من المحايدة التي لم تسع سوى لاحتقان رد الفعل وإطلاق
جذوة الشعور بالحزن والأسى في دائرة من فراغ الفعل نفسه و"الرغبات الزائفة".
قد
يختلف قراء عليوان من ناحية التصنيف النوعي لكتابتها، أو الانتماء الأدبي لهذه
الكتابة في عصر ما بعد الحداثة، والذي شهد تارة ما يشبه الثورة، والثورة المضادة،
وأخرى تشبه الردة والانقلاب، فتصعب معها التصنيفات وتتلاشى كل النعوت والأسماء. إلا
أن الأمر الذي لا يقبل اختلافًا هو: أن سوزان عليوان تعرضت لمحرمات ذات تأثير وسطوة
كبيرتين في المجتمعات العربية، وهذا قليلاً ما عثرنا عليه في الأدب النسائي العربي.
لم
تعرض عليوان لقضية الجسد عرضًا افتتانيًا، تتبلور فيه الرغبات، تظهر الأنثى فيه
ظهورًا نرجسيًا، يكتسب طهارته لكبته المشبوب، وسفح النبيل منه باستعراض موطن
الإثارة. لكنها سعت ومن القصيدة الأولى "سمكة ميتة" إلى إعلان الوحدة كرديف للموت،
للإهمال، كما في قصيدة "رغبة زائفة": مغمضة العينين – مستسلمة تمامًا... لو أن يده
تنزلق قليلاً... لترميم قلبها" وليس الإهمال الذي هو رديف الموت، الذي تتعرض له
الأنثى في مجتمع الذكور، سوى أمر جعل من هذه الوحدة موضوع قصائد.
والخذلان والأسف هما مدار بحثها الذي لم يلتئم شمله، ولم تهتد القصيدة إلى شاطئه،
وكان هو الغاية التي من شأن الشعر ألا يكتكل دورة الوصول إليه. وعلى هذا يظل احتمال
الكتابة لدى عليوان أمرًا في زهوة احتدامه. فلا هي (أي الكتابة) قد بدأت حقًا في
هذه المجموعة، ولا القصيدة رسمت لنفسها خطوطها الواضحة في أفق الشعر. إلا أنها
متقدمة بامتياز نحو الدائرة القصوى التي يتم الانطلاق منها نحو ذلك الأفق.
وفي
كتابها الجديد، تواصل الشاعرة اللبنانية المقيمة في القاهرة لعبتها الشعرية التي
تظل فريدة في خصوصيتها ومناخاتها ولغتها المتوهجة. |