قصائد من منطقة الطفولة

26/8/1999 "جمال القصاص - جريدة "الشرق الأوسط

 

تقترب سوزان عليوان في مجموعتها الشعرية الجديدة "ما من يد..." من صوتها الخاص، وتخطو نحوه بطزاجة عفوية، قلما تتوافر في تلال القصائد النثرية التي تطالعنا بها المطابع كل يوم.

وكطفلة تلعب بالألوان ترسم سوزان خطوط ودوائر عالمها في ومضات شعرية خاطفة، تذكرنا أحيانًا بإيقاع وتقاطعات الفيديو كليب، وأحيانًا أخرى تذكرنا بصدى أغنية شجية مشدودة إلى تخوم الطفولة حيث شهوة الملامسة الأولى للأشياء والعناصر، وحيث العالم لم يزدحم بعد بالحيطان العالية، والبطاقات التي تنام –حسب تعبيرها- في البياض وحيدة، وحيث صورة الجدّة بفطريتها وبساطتها المرعبة، والتي تصفها قائلة:

"الجبل أمّها

وحده استطاع أن يحتويها

فرحت
لانّ أباها مات سكرانًا في رماده
 

لا بدّ أنّ العصافير ستسعل حدّ الاختناق
فيما تبني أعشاشها بين تجاويف العظام
"

تكتب سوزان قصائدها من منطقة الطفولة، وتتنفسها في معظم القصائد، حتى لكأن الطفولة هي سر وجودها الشعري، فالشعر نفسه يبدو لها وكأنه حلم دائم بالطفولة، مهما اختلط بتوترات اللحظة الحاضرة، وعواطف وانفعالات الذات، وهي لذلك تظل مشدودة إلى الماضي، إلى صورة الجدة والعائلة الكبيرة، وفي مقابل ذلك نتلمح دلالات كثيرة للنفور من الحاضر بتعقيداته وتركيباته، وأقنعته الزائفة، وبشرة المملوئين بالافتعال والمتناقضات اللزجة، والتي تصورهم أحيانًا في ومضات سريالية ننعنة في السخرية، مثل قولها في إحدى القصائد:

"زجاجات فارغة
كنيسة صغيرة من شمع و ألوان
 

لعظامه صوت يربك الفراغ
كأنّما في جسده محرّك سيّارة قديمة
"

تمنح الكتابة في منطقة الطفولة قصائد الكتاب نوعًا من الألفة والطزاجة والحميمية، وينعكس كل ذلك على تعامل الشاعرة البسيط مع اللغة، فتبدو كأنها ثمرة من ثمرات الطفولة، أنها لغة فرشاة، تختزل المسافة بين الدال والمدلول، وبين الرمز والرموز، في إيماءات وإيحاءات شاردة، تتفلت برشاقة من أسر المجاز وآلياته التقليدية، مخلفة في نسيج القصائد نثارًا من الدراما الشفيفة تستجلي بها مساحات العتمة والذبول في طوايا المشاعر والانفعالات الإنسانية، وهي في سعيها هذا تنتصر للكائن في عزلته وانكساره وتمجده وهو يتسلق حبل السنين منطويًا على شيخوخته، مستعيدًا رذاذ حبه وصباه الضائعين، هذا الجو ترسمه في إحدى القصائد على هذا النحو:

"في صالة الليل الخاوية:

قمر بأسنان قليلة
يتّكئ على كمنجته
يسعل بشدّة
بين وصلة و أخرى
مطيّرًا نجماتها على ثوبها و شعرها
معيدًا إليها ذلك البريق
"

وفي قصيدة "طابع البريد: عصفور ميرو" تعتمد الشاعرة على طاقة السرد في صوغ مرثية عصرية مثقلة بالأسى والأنين، ترسمها على خلفية من لوحات الأسباني الجميل "خوان ميرو" وكأنها تريد أن تصنع لوحة موازية لعالمه ومفرداته الطفولية الطائرة، ونلاحظ أنها لا تستدعي هذا العالم على سبيل التناص، وإنما تتقمصه في حوارية هادئة، لكنها واخزة الدلالة.. ومثلما تقول:

"لا النعناع ولا نصف الليمونة

في ماء النرجيلة

سيعيدان إليك طعم الشتاء الماضي 

الأغاني -أيضًا- عاجزة
لا كلام و لا قبل
"فقط ابتسامة صغيرة

 وفي كل القصائد تترك عليوان نهاياتها مفتوحة على العالم والأشياء، وكأنها تريد لطفولتها أن تدوم، وأن تعفر بغبارها هواجسها وأحلامها على عتبات هذه الحياة.