|
أعترف بأني حين وقفت على أعتاب ديوان "ما من يد" للشاعرة سوزان عليوان، كنت أحجب
رأسي بغطاء غير معتاد من التصورات المسبقة لما يمكن أن تتناوله كتابة إمرأة، خاصةً
في الشعر، ثم كشفت الدهشة الغطاء، وبددت التصورات، لأعود للقراءة من جديد بقلب
منفتح، وعقل مهيأ لاستقبال حساس.
تصورت أنها تهدف للتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها المختلفة فحسب، ووجدت مشروعًا
شعريًا متميزًا تطمح الشاعرة لتحقيقه، وتسعى إليه مبررة ملامحه من قصيدة إلى أخرى،
وتصورت أن بعض الموضوعات اليومية والبسيطة لا تصلح للشعر، وتتنافى مع الشعرية
الراقية، ووجدت رؤية إنسانية شاملة، تقف أمام الوجود بالدهشة والأسئلة، وتستنطق
مخلوقاته ذات الأرواح الوحيدة المتعبة، التي يستهلكها الاستعمال، ومع ذلك تفتك بها
الغربة ووحشة الانفراد.
في
قصائدها تصادق سوزان أولئك الذين لا يهتم بهم أحد، وترصد أوجاع وحدتهم متجاوزة –
بالإسقاط – الخاص المحدود إلى الإنساني العام، وكل ماله وجود، مستخدمة لإحكام
التعبير بعض الحيل الفنية المستمدة من فنون تعبيرية أخرى، مثل: الدراما بجانبيها
القصصي المعتمد على السرد، والمسرحي القائم على الحوار، كما في قصيدة "جلباب الدمع"
وقصيدة "على رمال متحركة".
والسينما، مثلما نرى في قصيدة "أظفار مطلية بالشهوة" التي تبدأ بتمهيد سردي موجز
لحدود الزمن والشخصية والموضوع، ثم تأخذنا كاميرا دقيقة من مشهد بانورامي عام إلى
تفاصيل أقرب للمكان.
غريبة، معذبة، لا مبالية، واهمة أو عنيدة، تلك حالات مختلفة للمرأة رصدتها الشاعرة
في قصائد: على رمال متحركة، جلباب الدمع، الفستان الأحمر، رغبة زائفة، ذلك البريق،
وطابع البريد، وقد تعدت بالتناول الإنساني الفياض محدودية مشاعر الأفراد، لتشمل
عذابات الوجود كله، وشقوة الكائنات الحية والجمادات.
في
قصيدة "بقعة دم" قط بنفسجي العينين يخاف صغير العائلة من صوته، ويرتاب الكبار من
زحفه نحو أقدامهم، كيف يشعرون بالروح الساكنة فيه، وهم أنفسهم بلا أرواح كعرائس
طفولتهم؟ لذلك: مسحت أمها عن طرف السجادة بقعة دم – لم يمسح أحد – وهي تدفن قطعة في
تراب الحديقة – دموعها.
وهكذا، تتصدر المشهد الشعري – في هذا الديوان – موجودات مهملة تحترق بشوق للتواصل
مع الآخرين، واشتهاء للحياة في محيط الإعتناء من أحد، من منا يفكر في مصادقة:
فراشة، كرسي من قش، خيال مآتة، تمثال ثلجي؟!
هنا
تنهض بأدوار البطولة عصافير ورمال، فساتين وأظفار، نوارس وأحجار، وجمادات حزينة
استطاعت الشاعرة بحساسية عالية اكتشاف أرواحها، والتعبير عنها بتلقائية تكاد
بساطتها ترعبنا، كما قالت عن إحدى شخصياتها.
للشاعرة –إذًا– ولع واضح للسرد، وصياغة التجربة الشعرية في شكل مقاطع تصويرية، تبدو
كمشاهد مكثفة تأخذ بيد القارئ، وتقوده على مهل إلى مستويات النص العميقة، وقد أطرد
ذلك معها في أكثر القصائد، ولكن تشعرني بعض المقاطع الغامضة أو المضطربة أن كثرة
العهد بالنص –ربما– جعلت الشاعرة تسقط بعض الأبيات التي تلقي الضوء على جوانب
التجربة، أو تفسر ما التبس منها، مثل قولها في قصيدة "قبل أن يرسمها الله": لن
يغادر عتمة مقعده – لئلا يوقظ النباتات من حلم – عينيها المغمضتين تحت أصابعه.
فالشخصية المرصودة هنا تأخذ ملامح قس الإعتراف مرة، ثم تختلط بصورة المعمد "الأب
الروحي" مرة أخرى، مما يوحي بالعجلة أو عدم العناية برسم الشخصية، وربط ملامحها
الشكلية والنفسية بتكوين الموضوع ومقصوده، وأحيانًا عدم دقة التفسير للحدث أو
نتائجه، مثل ما جاء في آخر قصيدة "بقعة دم" من دماء وتمزق إلى قطع، نتيجة لسقوط
القط على السلم! أما مجيء كلمتي الله والإله في سياق قصيدتي "على رمال متحركة"
و"قبل أن يرسمها الله" فلا أحب للشاعرة الرقيقة أن تتورط بسببه في شبكة تأويلات
خائنة، ولو أنها تأملت قليلاً، لأكتشفت سبيلاً آمنًا للتعبير عن المعاني الكبيرة
التي أرادتها، ووضعت أكثرها بالفعل في وعاء بسيط أنيق، زاده تميزًا وجود وحدات
متكررة تؤول لدلالة موحدة، وتسهم في إبراز خصائص العالم الشعري لديها ومعجمها
الخاص، فالسجادة التي استعانت بها الشخصية الحيوية في قصيدة "على رمال متحركة"
لتشرح نظرية الكون، هي السجادة التي تنفض عنها المرأة الحزينة في قصيدة "جلباب
الدموع" التراب، وتتركها كل يوم في الهواء قليلاً لتتنفس، والسمكة الميتة التي
تراها الشخصية المحبطة في أول الديوان، عادت للحياة بروح وثابة في قصيدة "طابع
البريد" لينتهي على صوت شدوها بالأمل والإصرار. والحنان المترهل الذي عجزت المرأة
عن إزالته بطرف جلبابها، هو بعينه الحنان العابر الذي يتمنى فزاع الطيور أن يناله
ولو فقد في سبيله القبعة التي تحميه من قسوة الشمس والمطر، والأطفال الذين يقذفون
فزاع الطيور بالأحجار، هم أنفسهم الذين يرشحون النوارس بالماء، وهكذا.. ترابطت
الأفكار والصور الشعرية في هذا الديوان الصغير، لتفتح نوافذ عريضة على عالم نبيل
يحتشد فيه الغرباء لإزاحة الوحدة، وعبور حواجز الانفصال، لأن كل آخر –كما تقول
الشاعرة- جسر إلى الذات. |