|
الوحدة القاسية، حقيقة واضحة، وواقع مؤلم في حياة كل إنسان، وكل كائن كتبت عنه
الشاعرة سوزان عليوان في ديوانها الأخير الذي صدر مؤخرًا ويحمل عنوان "ما من
يد...". نعم: "ما من يد..." تراها ممدودة لهؤلاء، ولو كانت هناك يد واحدة قد مُدّت
لأي منهم ما كانت هذه صورته في قصيدته التي كتبتها عنه الشاعرة.
قصائد الديوان الأخير لسوزان كلها تدور حول شخوص وكائنات عرفتهم، واقتربت منهم،
وعاشرتهم، ولكنهم جميعًا يعانون الوحدة القاسية، حتى القصيدة التي كتبتها سوزان عن
نفسها وأتت في نهاية الديوان كانت تجسّد حالة الوحدة التي تعاني منها. تقول في
قصيدة "طابع البريد: عصفور ميرو":
"لا
تحاولي
لا النعناع ولا نصف الليمونة
في ماء النرجيلة
سيعيدان إليك طعم الشتاء الماضي
الأغاني -أيضًا- عاجزة
فمك الذي لم يبح سوى بنصف الأسرار
عضور ناقص
لا كلام و لا قبل
"فقط ابتسامة صغيرة
الوحدة هي واحدة من أبرز معالم قصائد سوزان عليوان، إلى جانب الحزن والفقد والغربة
والألم. في دواوينها الخمسة "عصفور المقهى" 1994، "مخبأ الملائكة" 1995، "لا أشبه
أحدًا" 1997، "شمس مؤقتة" 1998 وأخيرًا "ما من يد" 1999. وإذا كانت الدواوين
الأربعة الأولى لسوزان عليوان تعبر عن مراحل مخلتفة في كتابتها للشعر وفي أحساسيها
وآرائها تجاه ما تعرضه من موضوعات، فقد كان من أهم السمات المشتركة بين هذه
الدواوين والمميزة لها، حديث الشاعرة عن ذاتها وحالها ووصفها لشخصها في الغالبية
العظمى من قصائدها.
أما في ديوانها الأخير فإنها تتحدث عن الآخرين شخوصًا وكائنات في حياتها، تأثرت
بهم. ولكن هل نستطيع القول أن سوزان كانت تصف بحياد تام هذه الشخوص وتلك الكائنات؟
أم أنها كانت تتحدث أيضًا في ديوانها الخامس عن نفسها من خلال الآخرين عندما اختارت
من حياتهم ما يشبه حياتها؟ أو على أقل تقدير أنها كانت تقدم لنا نفسها من خلال
نظرتها لهؤلاء الآخرين، واختيارها لجوانب بعينها في حياتهم لتتحدث عنها، ولتوصل لنا
معاني معينة تقصدها بدقة، وتريد جذب انتباهنا إليها؟
الحقيقة أن سوزان عليوان غير محايدة، ولا يمكن أن أتوقع منها أن تكون محايدة في
كتابتها عن الآخرين، والحقيقة أيضًا أن في اختيارها للشخوص والكائنات التي كتبت
عنهم قصائدها وأسلوبها الذي عبرت به، ما يعكس ملامح شخصيتها كشاعرة، وهي ملامح
واضحة في كل دواوينها، تميزها كصوت شعري خاص، وموهبة متميزة فريدة لا تشبه أحدًا.
في ديوان "ما من يد..." نتعرف بسهولة على معالم قصائد سوزان عليوان التي أقامتها
ببساطة أسلوبها، ودقة معانيها، وجمال تعبيرها، وأشخاصها الذين تتأثر بهم. ووضوح
الفكرة والهدف بدقة تسهل من استيعاب موضوع القصيدة والتواصل معه، والتأثر به، بعكس
ما هو شائع في الكثير من الكتابات الشعرية اليوم التي يسيطر عليها الغموض ويصعب
فهمها.
وإذا كان القارئ لديوان سوزان عليوان الأخير "ما من يد..." لا يعرف الأشخاص الذين
كتبت عنهم فهو قد عرف صفاتهم وأحوالهم، كما قدّمتهم سوزان له. أمّا من الكائنات
التي تحدّثت عنها فهو "فزاع الطيور" في القصيدة التي تحمل نفس العنوان، وفي هذه
القصيدة تبرز واحدة من أهم سمات الشاعرة وهي إضفاؤها الصفات الإنسانية على الكائنات
غير العاقلة.
تقول:
"
يحلم بمقعد يريح ساقه النحيلة
بوضع يده في جيب
في كفّ امرأة
بغيمة تستقرّ فوق رأسه تمامًا
بأطفال طيّبين يقذفون نحوه كرة القدم
بين حين و آخر
بدلاً عن الأحجار
بأزهار قليلة تنبت حوله
ليطمئنّ أنّ أحدًا في العالم سيفتقده
إن سقط
بضربة منجل"
أما سوزان عليوان عندما تحدّثت عن نفسها في قصيدة "طابع البريد: عصفور ميرو"،
فقالت:
"
ستصادق عصفور ميرو
و السمكة التي تغنّي
في مربّع من ورق
في زاوية صغيرة من روحها
ستعيد بناء المقهى القديم
ستحفر على بابه
ضحكةً من خشب الورد"
وبالتأكيد فإن أصدقاء سوزان عليوان ومُحبّي شعرها.. يتمنّون مصاحبتها في هذا المقهى
القديم.. وهم يمدّون أياديهم لها. |