|
نص
مفتوح.. لا ينغلق.. يتيح لنا التماهي معه في كثير من مواضعه.. هو نص.. رغم تعدّد
عناوينه.. هو رحلة بحث "عنها" عن "هذه الغائبة-الحاضرة" التي يدور الديوان كله حول
تفاصيلها وملامحها.. هي جوهر هذا الديوان الجديد الذي صدر مؤخرًا للشاعرة اللبنانية
سوزان عليوان بعنوان "ما من يد" والذي يقع في 74 صفحة من القطع الصغير.. حيث تظل
تلك المقاطع الصغيرة حينًا.. والطويلة في حين آخر.. تعد لنا تلك التفصيلات الصغيرة
التي تشكّل صاحبة الضمير الغائب "هي" لتجده بالرغم منّا قد تحوّل –بفعل المشاركة
التلقائية- إلى "حاضر" بقوّة!
"ما
من يد تلامس بفضَّة وحدتها
ما من شجرة تشبك بجذورها الأصابع
ابتعدَتْ
الظلّ عباءة
عطر
نزهة في ألوانها"
وفي
خمس عشرة مقطوعة يتشكّل هذا الديوان وتتشكّل ملامح الـ "هي" التي تتحوّل تلقائيًّا
إلى "أنا".. وبعناوين مثل "سمكة ميّتة، بقعة دم، نعامة صغيرة على الحب، أظفار
مطليّة بالشهوة، قبل أن يرسمها، جلباب الدمع، الساحرة، الفستان الأحمر، رغبة زائفة،
الفراشة، فزاع الطيور، رجل الثلج، ذلك البريق، وطابع البريد: عصفور ميرو" ترسم هذا
العالم الخاص جدًّا.. تبدو الراوية وكأنها تقف على منصة حياد ترصد لنا دون أن تفسد
ملامح هذا العالم. تستغل قدراتها في "جرجرة" القارئ تدريجيًّا إلى هذا العالم عبر
كلمات قصارى موجزة موحية، وتراكيب متدفقة متخمة بانفعالات وأحاسيس جيّاشة تخلق
نوعًا من التلاحم مع النص.. تجعلنا نبحث معها عن "يد" لهذه الـ "هي" التي تتحدث
عنها والتي هي في الأساس "الأنا" الممزقة في ظل هذا التردي الذي تحاول الهروب منه!
"كأنّما قلبها علبة ألوان
"أنا
طائر"
كانت تردّد طفلة
هل كان ضروريًّا
أن تكسر ساقيها مرّتين
كي ينتبهوا؟
شبيهة بمساحيقها
بملابسها
بالبطاقات التي تزحم بها حيطان الغرفة
لئلاّ تنام في البياض وحيدةً"
وفي
بعض المقاطع وبعد أن تكون استهلكت من تتبع تفاصيل الـ "هي" تبحث عن "هو" في
ثناياها.. وتبدأ في رصد ملامحه.. ليست فقط الخارجية.. بل تلك الملامح "الجوانية"
فتجدها في مقطوعة "كرسي من قش لا يشعله الحنين" تقول بل تكاشف:
"وحيد
بقدر ما في البحر من زرقة و جثث
في الرمل يغرس أرجله
حالما بالجذور
ململمًا من حوله الأصداف
أصواتًا لا تخفت
يسمّونه الغريب
"لماذا لا يبني مثلنا القصور و يهدمها؟"
لو اقتربوا من صحراء قلبه قليلاً
لأدركوا أنّه طفل يشبههم
و سألوه عن اسمه"
نحن لن نحاور كلماتها تلك الأنات الصامتة التي يغلفها الحرف في عباءته وتسترها
الكلمة ويحتويها التركيب.. هي لغة خاصة رغم تداولها.. ورغم شيوعها ورغم أنها تستغل
في كثير من المناطق اللغة التوصيلية إلا أنها تستطيع –ببراعة وعذوبة- أن تكسبها
شاعريتها الخاصة.. تلك الشاعرية التي تتجاوز مجرد "جمال" الشكل وحتى التركيب بل
يتدخل في العمق وتكتشف جمالاً فطريًا نحسه قبل أن نراه.
سوزان عليوان تتجاوز –أيضًا- بضمير الـ "هي" مجرد الغياب.. وتصل به إلى محطة
الحضور.. لكن أيّ حضور؟! هو حضور بداخلنا.. فتلك التفاصيل تشبهنا جميعًا.. لكننا لا
نعيشها بل يصل بنا الأمر أحيانًا ألا نراها! فنبحث سويًّا –نحن وهي- عن هذه "الذات"
الممزقة بين "هي" حاضرة.. و"هو" غير واضح المعالم! وهي تجربة بحق تستحقّ أن نقف
عندها كثيرًا وأن نتحسس عالمها الخاص بشكل أكثر دقة يفوق ما أسلفناه من محاولة رصد
وتقرير فقط. |