|
روح
أخرى تلك التي تتحرك في فضاء قصيدة الشاعرة سوزان عليوان في ديوانها الذي صدر
مؤخرًا بعنوان "ما من يد..". روح تحمل كيانات ذلك الجسد المترامي الأطراف.. روح
تملؤها أوجاع ذات ناضجة، روح تستقبل حياتها في العالم بحس القلب المغترب.
هذه
الرؤية تختلف كثيرًا عن تلك التي سبق ورصدناها في ديوان الشاعرة السابق "شمس مؤقتة"
الذي حمل تمزقًا حادًّا للذات ولعالمها أيضًا، حتى رسم صورة مأساوية للوجود داخل
العالم.
في
هذا الديوان الجديد "ما من يد.." هناك مكاشفة من جانب الذات إزاء أحلامها، وما تسعى
لإحرازه من انتصارات وانكسارات، فالانكسار لغة الانتصار عندما يتعلق الأمر بمواجهة
الذات لأحلامها ورغباتها التي تلتمس التحقّق.
تقول
الشاعرة في قصيدة "الفستان الأحمر":
"فيما
كان ينهال
على عريها
كان ظلّها قد تجاوز الباب
بفستانه الأحمر
إلى حانةٍ
ما."
لكن
على الرغم من الإضاءات التي تقدمها الذات من حيث تعتمل في عالمها، ظلت حالات
الاغتراب الوحشية والعزلة، تقف حائلاً دون إضاءة كاملة لمشهدها الداخلي، هذا المشهد
الذي تتنازعه الرغبة في الإفلات من قبضة المكان والزمان والإنسان، والرغبة في
الخلاص من ثقل الذات على الجسد.. تقول الشاعرة في قصيدة "جلباب الدمع":
"بطرف
جلبابها
تلمّع المرايا
عاجزةً عن إزالة حنان مترهل
يقرّب قلبها من التراب"
إن
المتتبع لتجربة الشاعرة، سوف يلاحظ أنها في هذا الديوان، قد استعادت قدرًا كبيرًا
من بساطتها وتلقائيتها، وقد تجلى ذلك على مستوى اللغة والصورة والتراكيب والرؤية،
لتمضي بذلك إلى أفق شعري أكثر نضجًا ورحابة وقدرة على احتواء أوجاع الذات في
علاقتها بالآخر والعالم. تقول في قصيدة "الساحرة":
"لا
لم تكن ملاكًا
كل ما في الأمر
أنّها كانت تلتهم اللؤلؤ
".و
تختار لمقعدها إضاءة خادعة
إن
ما يميّز الشاعرة سوزان عليوان أن تجربتها تطرق من مرحلة إلى أخرى أبوابًا جديدة في
فضاءات الطفولة والشباب والنضج، فهي تتكئ دائمًا على حلم الطفولة وما يعتمل فيه من
تناقضات، فأنثاها لا تغادر طفولتها، بل ترى فيها مفاتيح النضج والاكتمال والرؤية
الأكثر عمقًا للعالم.. تقول في قصيدة "نعامة صغيرة على الحب":
"كأنّما قلبها علبة ألوان
"أنا
طائر"
كانت تردّد طفلة
هل كان ضروريًّا
أن تكسر ساقيها مرّتين
كي ينتبهوا؟
شبيهة بمساحيقها
بملابسها
بالبطاقات التي تزحم بها حيطان الغرفة
لئلاّ تنام في البياض وحيدةً
في الشارع
يتهافت عليها الأطفال
لعلّهم ينتزعون من جسمها قطعة حلوى." |