ما من يد تنقذ شمسها المؤقتة!

17/5/1999 "سعدية مفرح - حريدة "القبس

 

خوان ميرو ثانيةً ينقذ سوزان عليوان من ورطة الأبيض المتّسع كأنه قلب مهيض الجناح!.

في مجموعتها الشعرية الجديدة "ما من يد..." تختار الشاعرة الشابة سوزان عليوان خطوط خوان ميرو ذي الروح الطفولي المغرق في عفويته الغضة لتكون محور الغلاف الأبيض للمجموعة.. تمامًا كما فعلت في مجموعتها الشاعرية السابقة "شمس مؤقتة".. بياض متسع يفترش الغلاف تتوسطه لوحة مطبوعة بالأسود تكاد تتلاشى لفرط رهافتها موقعة بإسم خوان ميرو. أما عنوان المجموعة فيأتي دائمًا بالأحمر القاني وبخط أنيق في بساطة آسرة.

ورغم ما يتركه هذا البياض الهائل لدى المتلقي من أسئلة توحي بإجابات مباشرة لها بموروث ذاكرتنا الجمعية عن الأبيض باعتباره رمزًا للطهارة والنقاء والسموّ والنور، إلاّ أن من ينبش ما تخبئه سطور المجموعة من قصيد دفين يكتشف، أو ربما يقترح اكتشافًا، تلك العزلة المسيجة بأنهار من الظنون والأسرار الخفية التي تجد منتجة ذلك القصيد نفسها في خضمها.. فتأتي الأفكار توقًا للألوان التي تمثل الآخر بغض النظر عن نوعية هذا الآخر أو كنهه ما دام يأتي في سبيل الاختلاف. وفي المجموعة الشعرية الجديدة تبلور الشاعرة عبر نصها الرهيف "نعامة صغيرة على الحب":

"كأنّما قلبها علبة ألوان

"أنا طائر"
كانت تردّد طفلة

هل كان ضروريًّا
أن تكسر ساقيها مرّتين
كي ينتبهوا؟

شبيهة بمساحيقها
بملابسها
بالبطاقات التي تزحم بها حيطان الغرفة
لئلاّ تنام في البياض وحيدةً..."

والطيران الذي يتوسل الألوان دفعًا لمغبة الأبيض الضارب بسطوته مضارب الوحدة يتجسد في ممارسة "الفراشة" لمصيرها النهائي في سبيل تحقيق مجدها الملوّن للسماء قوسًا قزحيًّا آسرًا لنا وللعصافير الرمادية بظنونها الساذجة:

لعصافير الرمادية
لا تصدّق
أنّها لا تستخدم المساحيق لتزيين جناحيها!

عصفور صغير
فكّر في الأمر طويلاً
اتهمها بلبس المرايا
و خداع العيون بانعكاسات الزهور 

"!تعال و فتّش خزانتي أيّها السفيه"
صرخت في وجه دبّور أسود
حاول أن يلامس جسدها في مروره
لعلّ ألوانها تبهت على معطفه الداكن. 

بكت طويلاً
على كتف شجرة
"
لست ساحرةً كما يشيعون في هذه الغابة!"

يوم أحرقوها
تصاعد إلى السماء دخان غامض
ليستقرّ في قلب الزرقة
قوس قزح
".شعاعًا بسيطًا من روحها

لكن روحها المفعم بالشعر والألوان الجميلة وتفاصيل غربة تكتشف لاحقًا أنها "لم تفهمها" والدموع التي حوّلتها إلى غيمة وعصفور "ميرو" والشمس السوداء والتمساح الراكد في بانيو شقّتها وأليفها المدفون في تراب الحديقة وصورة السمكة الميّتة في المرآة وفستانها الأحمر وعرائس الحلوى والأحصنة الصغيرة والقلب المرسوم زهرة صفراء و... و...

لم يكن هذا الروح قادرًا على التحوّل سجّادة... مجرّد سجّادة!

"لو كانت روحها سجادة
لنفضت عنها هذا الغبار
لتركتها في الهواء قليلاً
".تتنفّس

لكنها ليست كذلك، ولن تكون، وستظلّ السجّادة حلمًا مستحيلاً يتكرّر في مفردة لافتة في دلالتها الشعرية على مدى المجموعة كلها، حاله حال مفردة الشمس في تنويعاتها الغريبة وألوانها المستترة، رغم أنه ليس الحلم الوحيد المتردّد في صالة الليل الخاوية.

ورغم الأيدي الكثيرة المتشابكة سياجًا لحماية "البياض القارس" وتمزيق "هذه الطائرة الورقية التي يئنّ جناحاها كلما لامسها حب جديد" لكن "ما من يد تلامس بفضّة وحدتها... ما من شجرة تشبك بجذورها الأصابع..." ووحده الشعر قادر أن يعيد إليها "طعم الشتاء الماضي" رغم شكّها الأخير بأن "الأغاني أيضًا عاجزة"!.