وجوه الغائبين وفراقهم الجميل في
ديوان "لنتخيل المشهد" لسوزان عليوان
نواف المطيري - جريدة "الوطن" 2006/4/18
تمر سوزان عليوان في ديوانها "لنتخيل المشهد" بعدة مشاهد في حياتنا اليومية، وهي
مشاهد قد يمر بها أي منا دون أن يعيرها اهتماما أو يأخذ منها العبرة والدرس. ولقد
حاولت الشاعرة استثارة خيال القارئ لكي يصل لقيمة كل مشهد والعبرة التي نأخذها منه،
مستعينة بالطبيعة بكل مكوناتها لكي توصل رسالتها للمتلقي. حيث إن الطبيعة ومزجها
بأحاسيس الإنسان يتكرر كثيرا في شعر سوزان عليوان، وهو من أسرار نجاحها ونجاح أي
شاعر. فالإنسان جزء من الطبيعة ولا يصح فصله عنها.
ولسوف أبين في المشاهد التي اخترتها من ديوانها "لنتخيل المشهد"، هذا الأمر ومدى
جماليته في شعرها. وأول هذه المشاهد هو مشهد يتكلم عن وجوه الغائبين.
"أهي الوجوه كلها تشبهه؟..
أم إنها لفرط الوله..
في كل وجه عابر تراه؟"
تصور الشاعرة في أبياتها حالة يمر بها الإنسان حين يتملكه الشوق والوله لحبيب طال
غيابه عنه. حيث تقول إن هذا الإنسان يرى وجه حبيبه الغائب في كل وجه عابر.
وقد لا يتفق معها القارئ في وصفها هذا، لأن وجه الحبيب - مثل روحه - لا شبيه له،
ولا يتكرر في أي وجه آخر، فقد يكون مقبولا لو أنها قالت:
"في كل ذكرى عاشتها معه تراه".. أو.. "في كل مكان جمعهما سويا تراه"
ولكن كيف تراه - أو تتخيله - في كل وجه عابر؟.
تبرهن الشاعرة على صحة ودقة وصفها هذا من خلال قياسه على حال الظمآن في الصحراء،
وقت الظهيرة في فصل الجفاف، حيث يرى السراب في كل الاتجاهات.
فظاهرة السراب لا تظهر إلا في عز فصل الجفاف، وفي وقت الظهيرة تحديدا. كأن الطبيعة
تعلم بشدة حاجة الإنسان للماء في تلك اللحظة، فتجعله يرى الماء في الأفق في كل
الجهات. أتقصد الطبيعة بذلك أن تعطي الإنسان الأمل بأن الماء موجود، وتحفزه لأن يجد
في المسير نحو الأفق ليصل إليه؟. ربما.
والطبيعة كذلك، تجعلنا نرى وجه الحبيب الغائب في كل وجه عابر آت إلينا، لتعطينا
الأمل بأنه قد يأتي ويعبر بجانبنا يوما ما.
سوزان عليوان هنا، مزجت بين الطبيعة والمشاعر الإنسانية في هذه المقارنة. وهو ما
أعطى جمالا في الوصف، ودقة في التشبيه تؤكد نجاح استخدام هذه الطريقة في الشعر.
وتظهر دقة تشبيه الشاعرة لوجه الحبيب الغائب بالسراب في قولها "في كل وجه عابر".
فكما أننا نرى السراب في الصحراء أينما التفتنا في كل الاتجاهات. كذلك الوجوه
العابرة، فهي تعبر بنا من جميع الاتجاهات، وليس من أمامنا فقط.
وللشاعرة مغزى جميل آخر حين قاست إحساس فرط الوله بإحساس فرط الظمأ، وحين شبهت وجه
الحبيب الغائب بالسراب في الصحراء. فهي تؤكد لنا أن حاجة الإنسان لإنسان آخر يحبه
بصدق، هي تماما كحاجة الظمآن للماء في صحراء جافة. حيث يموت الجسد في حالة فقد
الثاني، بينما تموت الروح في حالة فقد الأول. وهل هنالك موت أقسى من موت الروح ؟..
لا أظن.
ومن الطريف هنا، أننا لو حرفنا هذه الأبيات - بعد إذن الشاعرة - لأكدت صحة القياس
الذي قامت به.. كما التالي:
"أهي الجهات كلها متشابهة؟.
أم إنها لفرط العطش..
في كل جهة ترى مياها؟"
ثم تنتقل الشاعرة إلى مشهد آخر، في أبيات أخرى، تحمل إحساسا مختلفا في قولها:
للنافذة درفتان.. عاشق ومعشوق
يتعانقان، ويفترقان..
ليتعانقا من جديد..
بينهما شمس وقمر ونجوم..
تسبيح يمام، أغنيات عصافير
أزهار بألوان الفرح..
بشر يطلون على الحلم عبرهما"
تريد الشاعرة من خلال هذا المشهد أن تبعث لنا رسالتين هامتين..
الرسالة الأولى.. أن الفراق وإن طال، والمسافات وإن بعدت بين الحبيبين. إلا أنهما
إن كانا يحملان في قلبيهما حبا صادقا، فلسوف يلتقيان يوما ما. وقد استخدمت الشاعرة
النافذة التي نفتحها كل يوم لتأكيد هذه الحقيقة. فالمنظر الذي نطل عليه إن باعدنا
بين درفتيها يختزل الكون، ويضعه في صورة مصغرة. ففي وقت المساء، يفصل بين هاتين
الدرفتين "شمس وقمر ونجوم"، وفي النهار جبال ووديان وسهول وأنهار وآلاف البيوت
والشوارع، وسيل من البشر العابرين.
إلا أنه رغم ذلك، فهاتان الدرفتان - العاشقان - تعودان في نهاية اليوم حتما لتلتقيا
من جديد، بالرغم من أن الدنيا بسمائها وأراضيها وبشرها قد باعدت بينهما منذ قليل.
لماذا؟.. لأنهما يعشقان بعضهما البعض، وكذلك حال كل اثنين يحبان بعضهما بصدق.
الرسالة الثانية.. أن الفراق قد يكون فيه فائدة أحيانا.
نعم، فلولا هذا الفراق اليومي بين درفتي النافذة، لما استطعنا أن نسمع تسبيح اليمام
ولا أغاني العصافير، ولا أن نرى الأطفال وهم يحملون أحلامهم مع حقائبهم كل صباح
لمدارسهم. هي تماما كحالة الفراق بين جفني العين، فلولا هذا الفراق كل صباح حين
نستيقظ، لما استطعنا أن نرى الدنيا وما فيها من جمال. إلا أن هذين الجفنين - كما
الدرفتين تماما - يعودان ليلتقيا من جديد في نهاية اليوم، حين نقرر أن نخلد إلى
النوم.
أما فائدته للعشاق، فلقد أكدته الشاعرة دائمة الرحيل في بوح لها منذ زمن، حين قالت:
"وأعود لأسأل نفسي نفس السؤال..
هل البعد يعطي الحب عمقا وألقا؟..
أم القرب هو ما يزيده اشتعالا؟"
والإجابة على تساؤل دائمة الرحيل يوضح هذه الفائدة، والتي يعرفها كل من عاش حبا
صادقا. فمن نحبهم بحق، يسكنون في قلوبنا، لذا فإن فراقنا لهم لا يقلل من حبنا لهم،
بل يزيده عمقا ويظهره أكثر وأكثر.
يصبح الفراق كالنار التي تزيل الخبث من الحديد، لتظهر معدنه بوضوح. وكالريح التي
تزيح الرماد عن الجمر، ليعطينا الدفء الذي فقدناه، فطبيعة مشاعرنا الحقيقية لا تظهر
أحيانا تجاه من نحب إلا حين نفارقهم. حيث إننا قد يعترينا الشك بأننا نحبهم بحق،
لذا فإن الفراق يكون نارا تحرق هذا الشك وتوصلنا لليقين في حقيقة مشاعرنا تجاههم.
والفراق كذلك، يجعلنا نشعر بمدى حرارة حبنا لهم، وبمدى الدفء الذي كنا نشعر به وهم
بقربنا. وهو شيء لم نكن نحس به حين كانوا بقربنا، حيث كان يعتليه بعض الرماد الذي
لا يجعلنا نشعر به.
ومن هنا، تتضح فائدة الفراق وجماله أيضا، كما أكدته سوزان في مشهد سابق، وشاركتها
الرأي دائمة الرحيل في هذا المشهد الأخير.