لا تدعي
الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان في ديوانها الجديد (لنتخيل المشهد) أنها تتبنى
قضايا كونية كبرى ولا تكتب إلا ما تحسن الإحساس به والتعبير عنه مخلصة للشعر وحده
باعتباره غاية فنية ووسيلة لتصوير هواجس الإنسان وأشواقه. بهذا المعنى يمكن اعتبار
الشاعرة مهمومة بأن تكون لها قضية في ديوان يغلب عليه السرد المشهدي في سبع لوحات
فنية هي أقسام الديوان الذي حملت صفحته الأخيرة أعلى الفهرس ما يمكن اعتباره عنوانا
فرعيا هو (قوس قزح.. الحب بألوانه السبعة). والديوان الذي صدرت طبعته الأولى في
بيروت ويقع في 99 صفحة من القطع المتوسط يمكن قراءته كقصيدة واحدة أو كتاب يمسك
بدفتيه طرفان هما في كثير من الأحيان صبي وفتاة كقوسين ينفتحان على الحياة لا
يهزمهما الموت.
وتتفرق بعض
الصور في القصائد بما يوحي بأنها بلا ترتيب ففي إحدى قصائد القسم الثاني (عاشق
ومعشوق) تقول الشاعرة.. "يدها الصغيرة ( بين كفيه ) لؤلؤة في حضن صدفتها" ويمكن
العثور على هذه اليد وهذه الصدفة متناثرتين في قصائد أخرى. ففي قصيدة (دموع
الاسماك) من القسم الخامس الذي يحمل عنوان (دمعة أكبر من السماء) تقول.. "يضع يده
على صدفة قلبها ( ليصغي الى البحر. بعينين مغمضتين يراها ) طفلة ترسم بدمعاتها
الدوائر في ماء روحه ( وتسأل.. هل تبكي الأسماك مثلنا ) في الأعماق ( حين تكون
وحيدة وحزينة."
وتحكي قصيدة
)زمن الوردة/ سيرة عاشقين دفنا في حفرة واحدة منذ زمن بعيد وتتخيل كيف يصبح التراب
"الذي احتضنهما في عناق أخير" سريرا من عشب لهيكلين عظميين وكيف سطعت حكايتهما
"وردة حمراء ( نبتت من التراب." وتتخيل الشاعرة بقية المشهد حيث انه "بعد ألف عام
تقريبا ) من زمن الوردة ( وفي زاوية صغيرة من جريدة ) خبر عن طائرة تحطمت ( عن علبة
سوداء مفقودة ) عن غواص من فرقة الاغاثة ( عثر في أعماق البحر ) على ما يشبه وردة
حمراء.. يدان متعانقتان ( انفصلتا عن جسديهما ) دون أن تنفصل الواحدة عن الاخرى (
دون أن يفترق العاشقان."
الا أن الشاعرة
وربما بدافع الحماس لا تترك لنا أن نتخيل بقية المشهد كما في قصيدة )كواكب ونجوم من
قمح/ التي تبدأ بقولها "لانه يحبها ( يصعد كل ليلة ) على سلالم العتمة ( بقدمين
حافيتين ) خشية أن يدنس السماء بحذاء ( لا ينزل الا والقمر في يده ) رغيفا يفتته
على شكل كواكب ونجوم صغيرة ( دون أن يهدر حبة قمح واحدة. "بالتساوي ) بالعدل الذي
لا تعرفه سوى أصابع عاشق ( يوزع كعكاته الدافئة على أطفال الشوارع ) على شبابيك
النائمين دون عشاء أو أمل ( على الكلاب الضالة والقطط الضالة أيضا. فقط لانه
يحبها." كان بالامكان أن تنتهي القصيدة عند هذه الذروة على أن يكمل القاريء وحده
المشهد من غير وصاية الشاعرة التي شاءت الا أن تلخص له الحكمة من الحب ومن القصيدة
معا فقالت في هيئة تليق بالحكيم لا الشاعر "من أحب انسانا ) أحب الناس جميعا."
والشاعرة التي ولدت ببيروت وعاشت بين اسبانيا وباريس ودرست بمصر صدر لها في القاهرة
ديوانان هما (مخبأ الملائكة) عام 1995 و/شمس مؤقتة/ عام 1998.