|
|
الشاعرة سوزان عليوان تنتهج - في كتابتها للشعر - رؤية جمالية للاشياء، نتيجة
لاحتفائها بالحياة في صورتها المشرقة ومن ثم الانضمام كليا الى هؤلاء المهمشين
البسطاء الذين يبحثون عن المحبة كما يحاولون الوصول الى سعادتهم عن طريق الحلم
والخيال، انها شاعرة تصر دائما على اهمية الكلمة في الوصول الى حقيقة الحياة،
والذوبان في كيان الشعر، من اجل استشراف معالم جديدة وغير مطروقة.
وفي سبيل الوصول الى هذه الغاية فان عليوان تبذل قصار جهدها من اجل الوصول الى حالة
شعرية لا تدخل في نسيجها النفس بكل انانيتها، وطموحها الشخصي، ولكنها تؤكد على رؤية
جماعية للاشياء، فهي ترى في قصائدها العالم اجمع كيانا واحدا، ويجب عليها ان تتقمصه
شعرا، لاشاعة البهجة فيه، ولو عن طريق فضحه، والقاء الضوء على موجوداته بكل ما
تحمله من متناقضات، وحيرة، فالرؤية الشعرية لديها متوهجة، ضاربة في اعماق الحلم،
والخيال، الى جانب بساطة الكلمة، وعنفوانها، وتماثل اللغة فيها الى مستويات حسية
راقية، وحافلة بالنور وبالاحساس المتدفق بكل الناس بدون ان تضع لهم فوارق او
تصنيفات.
وفي ديوانها - الذي نحن بصدده - وعنوانه «لنتخيل المشهد» فان سوزان عليوان، تبدو
قريبة من وجدان القارئ بفضل مفرداتها الرشيقة، ومعاني جملها التي اتخذت من الحلم
وسيلة للوصول الى حقيقة الحياة، وفك طلاسمها، وغموضها تقول في اول قصيدة للديوان
«لنبدأ بالنهاية»:
سيمضي
وحيدا
بدموعها الساخنة
على خده
وستختفي هي
عند المفرق
متكئة
على ظلها
وحنان كلماته الاخيرة.
ان الصورة التي رسمتها الشاعرة للعالم رغم ما تمثله من فراق والم الا انها تحاول
التدليل على انه ما زال هناك امل في اللقاء لان «الحبيب» اخذ معه دموع حبيبته
الساخنة وهذه الصورة تعبر عن معان شعرية يدخل فيها الغياب، والاقتراب اكثر من
العالم الذي تصفه في نهاية القصيدة بالقسوة، وفي قصيدة «عاشق ومعشوق»، تواصلت
الشاعرة مع رؤاها الحالمة، كي تقول تحت عنوان «كما لو في حلم»:
كان يحلم
وكانت هي ايضا تحلم
وفي معادلة عجيبة
تعجز عن تفسيرها كل علوم العالم
ويشرحها بكل بساطة بائع ورد متجول
التقيا
كما لو في حلم.
وحينما اللغة الشعرية تدخل في مراحل حسية متطورة فان الكلمات تظهر في ايقاعات شعرية
متنوعة الدلالات والاحاسيس، وتبدو الصور البيانية ذات منولوج داخلي موفق «كلما
ابتسم الهلال/ في ظل نجمتين/ عادت السماء/ وجها/ وكلما اختلسا تحت المطر قبلة/
استعاد الحب/ كما لو بمعجزة/ الوانه السبعة», ان هذه الصورة وغيرها من الصور التي
حفل بها الديوان هو تأكيد على افتتان الشاعرة بالالوان، ورغبتها في رسم كلماتها في
اشكال قريبة من وجدان المتلقي الباحث عن جمال المعنى كي تتوهج الصورة تحت عنوان
«وله»:
أهي الوجوه كلها
تشبهه؟!
أم انها
لفرط الوع
في كل وجه عابر
تراه؟!.
وتحاول الشاعرة من خلال توهج كلماتها، وايقاعاتها الفنية السريع رسم ملامح واضحة
للحب، ذلك الذي تظهر فيه الاشياء، والاشكال في احاسيس متدفقة بالحيوية والحركة
«يوزع كعكاته الدافئة/ على اطفال الشوارع/ على شبابيك النائمين دون عشاء او امل /
على الكلاب والقطط الضالة ايضا».
كما تعزف عليوان على الاوتار العارية لتصل الى مكمن الجرح/ وسر الحياة ففي قصيدة
«بلد الدموع» تقول تحت عنوان «البلياتشو ذو الدموع الملونة»:
مكوما
مهملا
مثل خرقة قديمة
على مصطبة ملطخة بدموعه
وفي نسيج حديثها عن آلام البسطاء نجد انها تخص قصائدها «السيلانية المتدلية كدمعة
سمراء، من حافة الشرفة», و«حراس الحلم» كما تتوهج الصور الشعرية في قصيدة «تحت سقف
من نجوم» كي تقول تحت عنوان «بيت من سكر»:
تحت سقف من نجوم
خزانة من خشب ومرايا
تنتقل
بقوائمها الاربع
جواربهما المهملة
وتأتي العناوين - التي تحرص الشاعرة على ان تضمنها باحاسيس انسانية شفافة - مثل
«التوأم» و«الغريم» و«حذاء بحجم قصيدة هايكو» و«خلافات يومية» تلك التي ابدت فيها
عليوان روحا محلقة في خيالات انسانية متنوعة، ثم قصيدة «دمعة اكبر من السماء»،
لترصد رؤاها الشعرية في ما يخص الدموع لنقرأ عناوين مثل «دموع سوداء» و«دموع
الاسماك» و«قطرات الندى» و«بعد ان كانت لؤلؤة بين كفيه» والتي تقول فيها:
تفلت
من بين ذراعيه
دمعة
لا يتسع
لانهمارها
منديل
كما ان قصيدة «الفراشات لا يطير بجناح واحد» قد التزمت فيها عليوان برؤية فنية
للحياة، من خلال اقتحامها لمناطق حسية تخص الانسان، وباستخدام طاقة شعرية ثرية
بالمواضيع والخيالات كي ترصد في رؤية جمالية «بالون وحيد/ تبتسم / لبائع البالونات
العابر/ بعربته الخشبية / واجنحته الكثيرة / على الرصيف المقابل / ثم تختفي فجأة/
خلف الستار، هذه الرؤية تزدحم بالعديد من المشاهد الخيالية» في رتم انساني جذاب.
وتحت عنوان «البشر يطلون على الحلم عبرهما» نرى الشاعرة قد جعلت للنافذة روحا
واحاسيس اما عنوان «زمن الوردة» فان عليوان ستشرف فيه رؤى مغايرة، لعاشقين تحولا
الى هيكلين عظميين بعد دفنهما في حفرة واحدة وكيف ان التراب قد اصبح لهما سريرا من
العشب، والدود الذي ينهش اللحم البارد فراشات وبعد مرور الوقت تنبت وردة حمراء
فوقهما، واختتمت الشاعرة ديوانها بقصيدة خصت بها نفسها «ولد جميل / كان من الممكن
ان التقيه في الحياة/ لولا كل هذه الجدران خلف السنين / بنت تشبهني / حينما كنت
اشبه نفسي».
هكذا استطاعت الشاعرة سوزان عليوان من خلال سبع قصائد قسمت كل قصيدة فيها الى
فقرات, ان تؤدي دورها الشعري باتقان وتواصل مع الحلم الذي يراود الانسان في حله
وترحاله وذلك بفضل قدرتها على تكثيف مواضيعها الشعرية، والحصول على حزمة من المشاعر
الانسانية المتنوعة.
|
|