|
حتى لو كانت تيمة الكتابة عند الشاعرة سوزان عليوان هي البساطة وطفولة العبارة
والفكرة، وسواها من النعوت الرقيقة التي قاربت مجموعاتها الشعرية لغاية الآن، فهي
في مجموعتها الجديدة "لنتخيل المشهد" وبالمفردة البسيطة والطفلة ذاتها، تذهب عليوان
الى الحب، تلتقط الصور والمواقف الاثيرة جداً، والاكثر رومانسية والمواقف وعلى وجه
الدقة التفصيلات الثانوية التي تصنع حباً وتمنحه جاذبيته.
نستسلم في قصائد سوزان عليوان القصيرة، الى مناخ عوالمها المصفى من المترفع عن
الزخرفة، والذي لا يحرص على الوصف، قدر حرصه على المحتوى الشعوري الانساني. اذ يكفي
ان تتقدم قصائدها القصيرة بذخيرتها العاطفية، حتى يغدو الزمان والمكان والصور،
امراً ثانوياً وغير ضروري حتى، ما دامت الكثافة والصياغة الانيقتان، تلعبان حضورهما
الاكثر رسوخاً لصالح الاقتضاب، واخيراً لصالح الشعر.
ليست التعبيرية في قصائد عليوان "لنتخيل المشهد" اطالة مبالغة للعاطفة، بل هي عند
الشاعرة، احدى الامكانيات الاسلوبية المزاجية، للخروج من ثرثرة الرومانسية المعروفة
في بعض الكتابات، الى الحقيقة المباشرة للانفعالات والى الدقة والايجاز في التعبير
عنها.
ثمة وحدة انفعالية هادئة مع ذلك، تطغى على عمل عليوان الشعري، كما تعمل العاطفة
العميقة ولكن المتريثة والناضجة، على التناوب المتكرر على اغلب القصائد، ما يهيئ
لها ذلك المناخ الواحد، الحنيني والرقيق والساعي الى الحب في معناه الحداثي
المتماهي مع هذا النوع من القصائد/الاضاءات.
تقول عليوان في "بعد ان كانت لؤلؤة بين كفيه"
تفلتُ
من بين ذراعيه
دفعة
لا يتّسع
لانهمارها
منديل.
الحب
بمثل هذا العمق
وهذه الزرقة الشاسعة
بحر
ينتحر غرقاً
في دموعه
نظرة شاسعة
يعطي تعايش الانفعالات الرقيقة، والدفء الانساني المنسحب على مجموعة عليوان "لنتخيل
المشهد" طابعه الدرامي مع ذلك، المتلطي خلف الكلام اللطيف والمشهد المؤثر. طابع
درامي مشبع بالحزن. لا يستحضر قصة عاشقين ولا يتأطر بهما فحسب، بل يقلي بنظرة شاسعة
الى العالم كله، متسوليه وخادماته وطيوره ووروده والبلياتشوالباكي، ممثلو تعاسات
الحياة حاضرون بعناصر حزنهم في القصائد. وهم يقاسمون الحب حضوره، ويتجابهون
بعاميتهم مع خصوصيته ليندغموا اخيراً، الحب وشخصيات القصائد، بذلك الفضاء الدرامي
الراقي، الذي يجد ايقاعه وايقاع قصيدته، في موتيف لحني واحد، يرثي الحياة ويرأف
بمخلوقاتها.
هناك شيء مؤلم، ان لم يكن تراجيديا في الحقيقة، خلف عبارة سوزان عليوان، وخلف
متخفقة من كوابيس الكبار، وبريئة في عالمها، في ما هي في الحقيقة تحمل ارثاً بشرياً
معذباً، يلحظ مرارة الحياة وحقيقتها الاصلية. من هنا اتت التلاوين اللطيفة في عمل
عليوان لتشذيب بؤس العالم، بما يعني في الشعر القبض على ما هو جوهري وحقيقي،
والاضاءة عليه، ونفحه بكل الفرح لكي يبدو قابلاً للعيش.
من "خلافات يومية" تقول الشاعرة:
يحبها وتحبه
لكن كلابه لا تحب قططها
وقططها لا تحب عصافيره
والفراشات
هي الاخرى
لا تحب مثل هذه الخلافات اليومية
تحت سقف
من اجنحتها
بتستّرها خلف المفردة البسيطة، والدلالة الطفلة، تكون الشاعرة سوزان عليوان، تمحض
قصائدها غاية الشعر انقاذ العالم، بل مد يد العون له، ومنحه حميميته الدافئة،
وايضاً في الخيط الفاصل، بين حب العالم اجمع، وبين حب شخص وحيد، ثمة جوهر الشعر
الذي يشرك العناصر كافة، ويتيح لنا الحب الكامل: "من احب انساناً/احب الناس
جميعاً".
لم تعرف عليوان في اصدارها الجديد "لنتخيل المشهد" كيف تمسك بمناخ المجموعة الواحد
فحسب، انما عرفت ايضاً كيف تصوغ في قصائدها، شكلاً بسيطاً صافياً وجميلاً، يتبدى في
اغلب القصائد الموجزة والمكثفة والتي تتقصى علاقة جيدة، بين اللغة في احدث
تجلياتها، وبين العاطفة القديمة قدم الأزل.
|