لنتخيل المشهد

خلف الحربي - مجلة "أصايل" 2004/5/1

 

النافذة درفتان:
عاشق ومعشوق يتعانقان... ويفترقان
ليتعانقا من جديد
الزميلة سوزان عليوان شاعرة محظوظة بعناوين مجموعاتها الشعرية فديوانها الاخير والذي ما زال تحت الطبع حمل عنوان: (لنتخيل المشهد) هو حلقة من سلسلة ابداعية جميلة حيث سبقته دواوين تميزت بروحها المبدعة وعناوينها المدهشة مثل: (شمس مؤقتة)، (لا اشبه احداً)، (مصباح كفيف)، (مخبأ الملائكة) و(عصفور المقهى).
وتخاطب سوزان في مجموعتها الشعرية الجديدة (حراس الحلم) وتتحدث عنهم بعفوية خالصة:
زارعو الورد وسط الخراب
حاملو المصابيح في ليل العميان
حاضنو العصافير الجريحة في راحاتهم
الى ان تستردها السماء
أجنحة أو (لا قدر الله) أرواحاً
الذين، بمناديل من لحم ودم، يمسحون الدموع والعرق عن خدود المهانين.
وفي الوقت الذي تعاني فيه قصيدة النثر من تشكيك في اهليتها الابداعية وقدرتها على التواصل الحقيقي مع المتلقي وعجز الكثير من المحسوبين عليها عن تقديم نص يوازي اطروحاتهم النقدية، ناهيك عن العزوف الجماهيري الذي تواجهه قصيدة النثر، فإن سوزان قد حلقت بنصها خارج السرب وكانت مثالاً جيداً للنظرية التي تقول بأن الشعر الحقيقي لا يحتاج الى اختبارات كثيرة للتعرف عليه مهما كان شكله الفني ولغته وروحه، فالشعر وجه واضح الملامح لا يخالطك حوله التباس مهما تشابهت الوجوه في الزحام.
أهي الوجوه كلها تشبهه، ام انها لفرط الولع في كل وجه عابر تراه؟
والوجوه في عيون شاعرتنا قد تكون بملامح من ضوء وقسمات من بهاء وتتغرد بسحنته السماوية التي لا يمكن ان يميزها الا اؤلئك الذين ينظرون الى الاعالي:
كلما ابتسم الهلال
في ظل نجمتين
عادت السماء وجهها!
واذا كان الشاعر العربي القديم قد حدثنا عن المرأة التي يحبها وتحبه ويحب ناقتها بعيره فإن شاعرتنا تحدثنا عن علاقة الحب الجديدة التي تحاصرها تعقيدات العصر وتعصف بها رياح الاختلاف:
يحبها وتحبه لكن كلابه لا تحب قططها
وقططها لا تحب عصافيره
والفراشات هي الاخرى لا تحب مثل هذه الخلافات اليومية. وحين نتجول مع سوزان في غرف (بيت من سكر) والذي حددت مكانه بأنه تحت سقف من نجوم، سوف تكتشف قدرة استثنائية للشاعرة على كتابة تاريخ الاشياء الهامشية التي قد لا تلفت انتباه المؤرخين الغارقين في وصف تحركات علية القوم وها هي حين ندخل غرفة المكتبة تقول:
مكتبة عجوز تضم الكتب
اطفالاً من ورق برفوف كانت
في حياة سابقة
اغصانها زاوية للأكل
زاوية للرسم
زاوية لقطط مغرورة تقدس النوم والعزلة.