|
الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان من جيل شاعرات وشعراء يسميهم البعض "جيل ما بعد
الحداثة... الا ان هذا التصنيف – ككل التصنيفات الاكاديمية والتقسيمات الادبية – قد
يُجمل سمات مشتركة بين ابناء الجيل الواحد او من يدرجون على قائمة بعينها قسراً،
ولكنه من جانب آخر – والى حدٍ ما – يغيب سمات التفرد والتميز في كل تجربة ابداعية
على حدة. ويبدو شعر سوزان عليوان من أشدّ النماذج "ألماً بعد حداثية" تمرداً على
القوالب الجاهزة في التقييم التي تفرض على التجربة الشعرية مصادرها، وتحدد لها
فضاءاتها وامتداداتها، وموقعها الساكن ابداً... أو كما تصفها غادة السمّان: "تعبر
سوزان عليوان كطلقة واحدة في فراغ ضيّق" (مجلة "الحوادث" في 16 ابريل 1999).
هي باختصار شاعرة تنتمي الى "انسانية الشعر" التي لا تقبل طبيعة تكوينها ادلجة
مرجعيات التجربة الشعرية، ولعل هذا الانتماء الطبيعي لكل اشكال التعبير والبوح
الانساني هو الذي مكّنها من الانطلاق بخطى سريعة، ولكن واثقة، في خضم مسالك
المشهدية الشعرية العربية المعاصرة، واثبات ذاتها وسط عشرات من الاسماء الشابة التي
تلاشى بعضها وذوى في غوغائية الايديولوجيات الوافدة، والتيارات الآنية الخاطفة:
التي هجرها اصحابها في الغرب وما زال البعض منا على الساحة الثقافية العربية يتعلق
بأذيالها المهترئة.
لم تمتط هذه الشاعرة صهوات القضايا المستهلكة، ولم تصدع شعرها وقولها والاسماع
بالشعارات الدعائية الصارخة عن حقوق المرأة وحقوق الرجل... بل جاءت بنظرة عميقة من
معين رؤيتها وتجربتها الخاصة؛ نظرة غايتها ومدارها الكوني. ببساطة الحرب ليست بين
المرأة والرجل "وإنما – وكما تقول هي نفسها – حربنا الحقيقية، نساءً ورجالاً، هي ضد
الظلام الذي خرّب ارواحنا، وشكّل الحواس على اسس خادعة، ضالة ومضلّلة..." (من
مقابلة مع الشارعة، اجراها فيحان الصوّاغ في موقع مجلة "أنهار" الأدبية على
الانترنت).
في هذا السياق، ليس غريباً ان تساور الشاعرة مشاعر الغربة الروحية والفكرية في عالم
قاهر للذات النفسي والجسدي باندلاقه على خواء افتعال المعارك والخصام، ونشر حلكة
الا رزاء في النهارات ونيران القهر في الليالي، فتسمي احدى مجموعاتها الشعرية
بـ"مخبأ الملائكة" (1995).
والمفارقة ان سوزان عليوان التي باعدت غربة المكان والجسد، بسبب حرب لبنان، ولسنوات
طويلة ما بين طفولتها الاولى (حيث وُلدت في بيروت 1974) ونضوجها الذي شهدت مراحل
تكوينه مدن الاغتراب في اسبانيا وفرنسا ومصر (وفي الاخيرة درست الصحافة والاعلام في
الجامعة الاميركية بالقاهرة وتخرّجت 1997)... لم تجعل من الغربة – بمعناها المألوف
– سوراً مسوراً يحاصرها من كل الاتجاهات؛ به يبدأ خطابها الشعري وعنده ينتهي صدى
حضورها وعوالمها وكائناتها الشعرية، بل كانت "الغربة" اكثر واكثر انفساحاً لديها من
"وطن خرافة"، تحدّه حدود مرسومه ويقاس بالاميال والكيلومترات... لقد افضت بها تجربة
الاغتراب الى الوطن الانساني المترامي الاطراف، والى ملامسة امتدادات هموم الانسان
وظلال المعاناة المشتركة بين بني البشر، فتمثّلت بروحها وشعرها وصية، "رامبو" في
"رسالة الرائي" ان على الشاعر ان يكون مسؤولاً عن الانسانية... لا يسعى من اجل
خلاصه كفرد، بل من اجل الخلاص الجماعي: في اول قصائد مجموعتها الشعرية الثالثة: "لا
اشبه احدا" (1996) تصرح بعقيدتها الشاعرة في العنوان: "لي خلف المجرات اخوة وعلى
الارض اصدقاء"... وتقول (في مقاطع من هذه القصيدة):
تؤرجحني
في فضاء
كملاك
له خلف المجرّات
إخوة
وعلى الأرض
أصدقاء
* * *
الدخان
وطن
في الخلاء
يتلاشى
* * *
الفوانيس
والنباتات
متدلية من السقف
ظلاً لجنة بعيدة
أيقونات الغربة
متدلية من جبيني
ضوءاً
لعتمة
صرفتُ في سوادها طفولتي
وحينما تبحث عن اخوة الشاعرة واصدقائها... خلف المجرات وعلى الارض، ستجد اطيافاً من
سحر الطفولة المنسية تحوم بين اوراقها وعلى رؤوس اقلامها، لتدرك ان هذا هو الوطن
الذي تعنيه سوزان عليوان... وطن ماؤه البراءة والطهر، ومروجه الدهشة، واشجاره نجوم،
وطيوره ملائكة، وببيوته غيمات سابحة في سماء تستضيء بشموع، ولكنه وطن مفتقد؛ اذ
سرعان ما تشحب الصورة على وخزات الواقع الاغترابي المرّ حيث تنتفي الدهشة وتتشابه
الاشياء:
تتشابه حقائب السفر
التذاكر
المطارت
ليالي الوحدة
في ظل قمر غريب
تتشابه بطاقات الاصدقاء
امطار الشتاء
المقاهي
المتاجر
وجوه الناس
في الزحام
وحدي انا الغريبة
لا اشبه احداً
وعلى الرغم من ان الاختلافات بيّنة والتنوع بادٍ في مجموعات سوزان عليوان الشعرية
السبع، من حيث مواضيع القصائد ودلالاتها النفسية، وما تحمله من اشارات على مراحل
تطور تجربتها الشعرية وتدرج نضوجها الفني، فإن هناك بعض الخيوط الرفيعة اللامعة
مشدودة بين المجموعة الاولى: "عصفور المقهى" (1994) التي لا تعترف الشاعرة سوى
بقصيدة وحيدة يتيمة منها – كما صرّحت بذلك على موقعها الاكتروني – وبين المجموعة
الاخيرة الصادرة حديثاً: "مصباح كفيف" (2002)... تلك الخيوط هي "قلق المصير" الازلي
بالنسبة للإنسان وتوقه الغريزي الى نهايات تعيده الى صفاء الفطرة في البدايات
الكونية، وفيما يشبه الرغبة بإعادة التشكل في مسارٍ آخر جديد تتطهّر فيه البشرية من
فظائع ما ارتكبته بحق نفسها عبر التاريخ. وفي احدث نتاجات سوزان عليوان: مجموعة
"مصباح كفيف" يتوهج الرحيل الانساني الطوعي الى الاوليات، والى حيث لا ظلال ثقيلة،
مربكة، تفصم الذات عن الذات، والروح عن الروح.
الجثث هنا
اكثر من الزهور
وساقية الدم
لا تكفّ عن الدوران.
|