مع الكراكيب
قبل صدور هذه المجموعة بأيام قليلة تبدّل عنوانها من
"مدينة المطر المتواصل"
إلى "كراكيب الكلام" وأظن أن
الفارق بينهما هو ذاته حجم القلق الذى تحمله سوزان إزاء
كراكيب وجودها.. وكأنما فى
الكراكيب "فى الدهاليز الناصعة"
يبكى طفل روحها.. وتبكى مدينتها
وهو ذاته مساحات التوتر التى يسهل ملاحظتها فى كل الكتابات
التى تورًطت - مختارة ومُحبّة
- فى الإشتباك الحميم مع مثل هذه الكراكيب..
مع مثل هذه الأجواء الأسطورية الموتورة بلحظة الإنتهاء والبدء المشتبكين..
حيث لا باب سوى الحياه.
يصعب لكتابة حقيقية متورطة فى اشتباك حقيقى مع الوجود أن تبقى رهينة
خيوط منافستو ما.. مثلما يصعب أن تلتزم الوقوف أو
المشى وفق جدول محطات فهرس ما.. تزيد الصعوبة إذا كانت
تلك الكتابة بصدد مس لملمة وبعثرة كامل العمر على بياض
الورق.. تزيد أكثر إذا كانت تلك اللملمة والبعثرة فى قلب
لحظة هى نهاية الوجود وبدايته معا.
لم يكن فى اعتقادى سوى نص واحد.. يصلح لاحتواء عالم له
هذه الخصوصية.. نص واحد.. فى موازاة عمر.. أو زمن..
واحد.
بلاغة الشوف أو الرؤية تعنى مستوى فى النضج فى علاقة
الإنسان بذاته وبالعالم.. وأثرها يحيلنا إلى معرفة
الفارق بين العابر.. والراسخ..
بين الصغار والكبار.. أين تقف وأنت ترى ذاتك.. و
ترى العالم أو الدنيا.. حتى فى لحظتها الصغيرة..
العابرة.. اليومية.. كما شئت
سمها.. كيف تمنحها نور شوفك.. هل تقطعها لإزاحتها إلى
داخلك وداخلنا فترميك فى لجج انقطاع فعل وجودك فى الدنيا.. وتصبح كاتبا فى
بلاط إحباطك أو تسحبك إلى جيش الظلام الهزيل على
كثرته.. وترمينا فى عتمة الخوف حتى من وجودك فى الدنيا.
هل تهبها أجنحةمن روحك فتطير.. وتطلقك.. وتطلقنا معها
لبراح الوجود ؟ أظنها من أسئلة بلاغة الشوف.
أردت الإشارة إلى بلاغة شوف الروح الشاعرة..
وموقعها من الإعراب وفق قواعد نحو الإنسحاب من الحياة.. أو
براح الإشتباك الحميم معها.. وأظننا إزاء شاعرة مشت
مشوارا طويلا من النضج الروحى والمعرفى..
أحالها وأحالنا إلى التورط فى مواجهة كراكيبنا
وجها لوجه.. حتى ليصدق من يقول.. أن سوزان
ليست تعرفه فقط.. وإنما تتسلل كالنور إلى ظلمة كراكيبه.
فارق كبير جدا بين القراءة عن.. أو حول.. والقراءة فى..
مثلما الفارق الكبير بين الكتابة عن ... والكتابة فى.
أخيرا.. أظن أنه ليس من باب الثقافة الرسمى وحده تمر
المعرفة وتنتقل من فرد إلى فرد.. ومن جيل إلى جيل..
أثق فى كثرة وسحر أبواب الإنتقال.
النقش على الباب.. باب
أغنية العرس.. باب
وعدودة الجنازة.. كثيرة هى الأبواب.. بما يكفى..
فلا تخدعنى كثيرا إجابة أحدهم ... لا أعرف.
فى قلب الكراكيب
كأننا أمام فراشة البدء المقدسة وهى ترفرف فى براح أساطير..
بداية الخلق.. وتحط بجناحيها المُتعبين إلى سور
الثلاثين:
"الوردة ابنة الوحل
بين الدودة والرماد فراشة عابرة".
كأنها بنت طائر (البنو) ابن رع الواصل توا من جزيرة اللهب المقدسة..
ليحط فى هليوبوليس (مركز الأرض) ويكسر بمنقاره
الطويل صمت ليل الأزل ويطلق صرخته المقدسه.. صيحة
الحياة.. معلنا بدء دورتها الجديدة. يقول:
(أنا طائر البنو العظيم فى هليوبوليس ..الذى يحدد ما يكون وما لايكون).
"بظل معطفى
أكسو الأشجار وأعريها
كأننى فصولها العابرة تحت المطر سريعا
كأنها مرآة رغباتى".
كأنها شجرة (الخولويبو).. (شجرة صفصاف على شاطئ الفرات)..
بينما تهدد بقاءها.. الرعود والعواصف والمطر المتواصل
وكأنها محمولة بين يدى آلهة الحب الجميلة(إينانا)..
فى الطريق إلى بستانها المقدس فى مدينة (أوروك)..
(ملحمة جلجامش).
"من أبكى الصفصافة على ضفة روحى؟".
"الصفصاف يذرف آخر مراكبه فى النهر
فى دمعتنا".
"إختبأت خلف الجدران
وراء الأبواب الدامعة
فى ظلال النوافذ والأشجار والغيوم
داخل البئر
والحبل متكوم كثعبان فى حضنى".
"كلما انهمرت من أغصانها ورقة
جفل ظلها كحصان
الشجرة التى
تدرك العمق الحقيقى
لجرح وجودها".
كأنما نسمع.. من بعيد.. أصوات الطبول المقدسه بينما يرقص
الإله الهندى (شيفا).. ليعلن
بدء الحياة الجديد.
"لأننا لم نعد نتبادل الرسائل
يحدث المطر بين قطرة وأخرى
هذا الدوى الهائل".
كأننا أمام العاصى.. أو الفرات.. أو النيل.. بينما يترنح جريانه أمام سور الثلاثين.
"يدى على ضفة
ظلها على الأخرى
والنهر بيننا يرتجف فى جريانه
لمسة أن تكون".
فى لحظة.. عصيبة.. مربوكة..
كثيفة.. كتلك التى تقف فى قلبها سوزان، لا تكفى لقطة
واحدة لاختزال اللحظة كاملة.. لا تكفى لتبرير خصامنا أو
تصالحنا مع المطر.. لا تكفى وحدها لتكون بوابة للدخول
إلى عمق عالم كثيف كهذا.
المطر عند سوزان ليس سوى مدن الخلق المقدسة فى الأساطير.
"المطر الذى يروى وردة الحكاية منذ الأزل".
"أحدق فى أمطار تعرفنى
أكثر من دموعى".
المطر لا يعنى سوى الوجود الجديد.. وسوزان ليست خائفة
أمام سور الثلاثين.. إنما
تخاف أن تعبره.. إلى مصير يشبه ما قبله.. إنما يرعبها أن
يبقى الفراغ جاثما يحتل المسافة بينها وبين فعلها فى الوجود.
"ماذا أسمى الفراغ الذى
بين شاهد قبرى
وشهادة ميلادى؟".
"الوداع
يا لوقعها حين تذرف هكذا
فاصلة بين فراغين
فى سياق المطر".
سوزان ليست فى مواجهة موت.. إنما فى مواجهة ميلاد.
"أطللت بظلى ثم برأسى ثم اندفعت بكل كلماتى".
تخاف عليه بخبرة الألم وبطاقة الغضب الشفيفة ضد كل الصور
الحزينة التى تملأ العالم من حولها.
"المهرجون بمساحيقهم
دونما ملامح
الملائكةالميتة فى الطرقات
المدينة المهجورة
بمنازلها المهدمة
وأطفالها المتفحمين فى الملاجئ".
"الآخرون دائما
بأحذيتهم الموحلة على صفحة روحى".
وصور كثيرة.. كثيفة.. يمتلئ النص بها.. كأنما هى صرخة
سوزان ملء روحها.. تطلقها
مدوية لعل العالم من وحله يولد.. ويعبر معها سور الثلاثين
عبورا لائقا بجمال الإنسان.